اختزال سوريا في مدينة

الجمعة 2014/10/17

مر نحو ثلاثة أسابيع على بدء المعارك بين ميليشيات كردية سورية في شمال سوريا وتنظيم الدولة الإسلامية الذي يحاول جاهدا السيطرة على مدينة ذات غالبية كردية ساحقة يسميها السوريون (عين العرب) بينما يسميها الأكراد (كوباني). ثلاثة أسابيع كانت كافية لتهجير غالبية سكان المدينة، وكافية أيضا لتفقد الميليشيات الكردية سيطرتها على المدينة ويظهر مدى ضعفها العسكري، والأهم أنها كانت كافية لإظهار مدى هشاشة العلاقة بين الأكراد والعرب في سوريا.

أخبار معارك عين العرب (كوباني) باتت محطّ اهتمام كافة وسائل الإعلام العربية والأجنبية، وغطّت على أخبار الحرب في عموم سوريا، ونسي الكثيرون القصف الجوي والمدفعي المستمر الذي يُمطر به النظام كل المدن السورية الأخرى، وخشي الكثيرون أن تُختزل الأزمة السورية في أزمة مدينة، وشدد الكثير من المعارضين السوريين على أن هذه الأزمة مرّت على عشرات المدن السورية التي يدافعون عنها ممن يصفونهم بـ “الاحتلالين” (النظام والدولة الإسلامية)، لكنها بالنسبة إلى الأكراد مدينة تحدد مصيرهم ومستقبلهم في سوريا.

بعد أن لاح احتمال خسارة الأكراد للمدينة لصالح تنظيم الدولة، ألقوا باللوم على ثلاثة أطراف: تركيا والمعارضة السورية المسلحة والتحالف الدولي. الأولى لأنها تقف متفرجة شامتة وربما غير ممانعة لما يجري، والثانية لأنها لم تُرسل مقاتليها للدفاع عن المدينة والثالث لأنه لم يقضِ بهجماته الجوية على قوات الدولة الإسلامية التي حاصرت المدينة لنحو شهر.

صوّر أكراد سوريا أن تنظيم الدولة الإسلامية يستهدفهم وحدهم، وتناسوا أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يُهجِّر فقط الأكراد من منطقة (كوباني)، بل هجّر سكان 15 قرية سكانها من السوريين العرب، وقتلوا بعضا ممن رفض ترك قراه، واعتقلوا وجهاء عشائر عرب في المنطقة، وقتلوا آلاف السوريين في مناطق أخرى، وقضوا على قادة وجنود في الجيش السوري الحر والكتائب الثورية الأخرى، ما يؤكد على أن “خيرات” هذا التنظيم عامة وليست خاصة للأكراد.

أصيبت علاقة الأكراد مع الجيش الحر بانتكاسة سببها القوة الكردية العسكرية الأساسية التي تتواجد في شمال سوريا وتدافع عن مناطق تواجد الأكراد، فهي لا تمتلك سمعة طيبة لدى غالبية المعارضة السورية، السياسية منها والعسكرية، فخلافهم غير قليل مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري الذي يتزعمه صالح مسلّم ويمتلك (وحدات حماية الشعب) المسلحة ويهيمن على المنطقة وأقام إدارة ذاتية للمناطق الكردية شمال سوري، فهو برأيهم يرتبط بعلاقة جيدة مع إيران، كما تربطه علاقة ملتبسة وغامضة مع النظام السوري، ويعتبره البعض ـ جازما ـ بأنه جزء من النظام، كما تتهمه الأحزاب الكردية السورية نفسها الأخرى (11 حزبا كرديا عضوا في ائتلاف قوى الثورة) بأنه أقصى كل الأكراد واستفرد بالقرار الكردي السوري وأن نشاطه لا يتعارض مع مصالح النظام.

سبق أن اتّهمت المعارضة السورية حزبه وقواته المسلحة التي تُدعى (الأسايش) بالقيام بعمليات تطهير عرقي في المناطق التي سيطروا عليها حول عين العرب (كوباني) وطردوا أكثر من 250 ألف عربي سوري منها، ومنعوا تدريس اللغة العربية، وفرضوا على السوري العربي وجود كفيل كردي لدخول مناطقهم. كما اتهمه حلفاؤه الأكراد صراحة بتسليم 21 قرية في محيط (كوباني) للدولة الإسلامية بهدف الضغط على التحالف الدولي من أجل تأمين مرور السلاح إلى عناصره داخل سوريا، وهو أمر استغلته الدولة الإسلامية لحصار المدينة.

ويستغرب الكثير من السوريين المناوئين للنظام موقف بعض الأكراد، فرغم تفهمهم أن أكراد سوريا عانوا خلال خمسة عقود على الأقل من ظلم كبير مضاعف غير مقبول بأي مقياس إنساني وحقوقي وحضاري، إلا أن ذلك لا يعني أن قضيتهم ـ المحقة ـ وحدها هي قضية سوريا الآن، فقيمة المدينة ذات الغالبية الكردية هي كقيمة أي مدينة سورية أخرى، الجميع غالٍ على كل السوريين، وهي مدينة مكلومة كمئات المدن السورية الأخرى، وفلاحو وفقراء (كوباني) هم كفلاحي وفقراء درعا وحلب وحمص، لا أحد يفرّق بينهم سوى النظام، الذي يسعى لإثارة قضية الأقليات ـ الدينية والعرقية والإثنية ـ لمصلحته.

أما بالنسبة إلى تركيا، فالأكراد أنفسهم لا يعرفون ماذا يريدون منها، فعندما أعلنت تركيا أنها لن تتدخل انتقدها أكراد سوريا، وعندما ألمحت إلى أنه يمكن أن تتدخل انتقدوها أيضا. أما القيادة التركية فهي تعرف ما تريد وتلعب لعبتها في وقت الأزمة.

الهدف الاستراتيجي الأول لتركيا في واقع الأمر ليس فقط إسقاط النظام السوري ـ كما اشترطت لمشاركتها الائتلاف ـ وإنما أيضا إنهاء الكانتونات الانفصالية الكردية، التي تنشط في تركيا وسوريا وتهدد الأمن القومي التركي، وعلى رأسها الحكومة الذاتية التي أقامها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني التركي الذي يقوده عبدالله أوجلان السجين في السجون التركية نتيجة تصنيف تركيا لحزبه بأنه حركة إرهابية.

لتحقيق هذا الهدف، تقف تركيا صامتة. رصفت دباباتها على مرمى حجر من عين العرب (كوباني) دون القيام بأي عمل، وجلس الأتراك يشاهدون، وغالبا شامتون، مرتاحون للقضاء على الميليشيات الكردية الانفصالية من دون جهد، يراقبون القضاء على مشروع كردي أقلقهم لعقود، كما فعل ستالين الذي أوقف زحفه ضد النازيين وتوقف عند ضواحي وارسو تاركا المجال للألمان ليدمروا المدينة على رؤوس الوطنيين غير الشيوعيين وبعد انتهاء المهمة التي أسعدته اجتاح المدينة.

أما أميركيا، فلدى الأكراد قناعة بأن أميركا يمكنها وقف هجوم الدولة الإسلامية في 24 ساعة إن أرادت، لكنها حقيقة لا تريد، فقد أعربت إدارتها صراحة عن عدم تمسكها بأكراد سوريا، وأعلنوا أنها “مأساة” لكنها لن تغير من استراتيجية التحالف الدولي في المنطقة على الأمد الطويل، واستمرت الضربات الجوية للتحالف بمحاولة إبطاء تقدم التنظيم لكنها لم توقفه، ولن توقفه إن احتل التنظيم المدينة إلا إذا دَمّرت المدينة فوق رؤوسهم، وهذا بدوره سيُسعد الأتراك.

النظام السوري وحده يستفيد من كل ما يجري، ولا يعنيه الأكراد إلا بقدر ما يحققون استراتيجيته وأهدافه، وله مصلحة في أن تستمر أزمتهم لأنها تُشتّت الاهتمام الدولي عن قصفه للمدن السورية الأخرى.

لا يجد الأميركيون حرجا في القول إن إنقاذ كوباني ليس أولوية لهم، ولا يجد الأتراك حرجا في إرسال دباباتهم لتقف متفرجة على أطلال المدينة كي تشهد سقوطها، ولا يجد النظام السوري ما يستدعي عمله لإنقاذه أكراد سوريين غالبيتهم معارضون، كما لا تجد المعارضة السورية المسلحة أولوية في الدفاع عن مدينة صغيرة بالمقياس السوري فيما الأولوية بالنسبة إليها قتال النظام، فأصبح أكراد سوريا وحيدين، ينتظرون أن تنجح صفقة ما، أي صفقة تُنقذهم، تركية كانت أم أميركية أم إقليمية، أو ـ ربما ـ يتنبهون في اللحظات الأخيرة إلى أن الحل الأسهل والأنجع هو توحيد قواهم السياسية مع المعارضة السورية، والاندماج العسكري مع الفصائل السورية المقاتلة، ودفن حلم الانفصال نهائيا والتسليم بأن (كوباني) مدينة لكل السوريين العرب قبل أن تكون للأكراد، وأنها جزء صغير من جسد مريض يجب مداواته.

6