اختصاص تأهيل الأئمة يعمق الفجوة بين الحكومة المصرية والأزهر

تضييق الخناق على شيخ الأزهر لتعثر جهود تجديد الخطاب الديني، والحكومة تدعم وزير الأوقاف بهدف تمرير الإصلاحات.
الاثنين 2018/11/26
الجدل يتجدد حول القضايا الدينية
 

أخذت العلاقة بين الحكومة المصرية والأزهر طورا جديدا في العلاقة الصدامية بسبب قضية تجديد الخطاب الديني، بعدما سحبت الحكومة سلطة تدريب وتأهيل الأئمة من الأزهر لتتولى وزارة الأوقاف عملية التدريب عبر أكاديمية دولية مختصة بتدريس كافة العلوم الشرعية والعامة، وتكشف الخطوة عن اتساع الهوة بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الرئاسة، بين غضب الأزهر من تدخل الحكومة في صلب اختصاصاته، وبين استنكار الرئاسة لعرقلة شيخ الأزهر المبادرات الإصلاحية.

القاهرة - تجدد الصراع بين الأزهر ووزارة الأوقاف حول ملف تجديد الخطاب الديني في مصر بدعوة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في كلمته بمناسبة احتفال المولد النبوي، الأسبوع الماضي، إلى ضم عدد من أئمة الأوقاف إلى التدريب في الأكاديمية الوطنية لتأهيل الشباب، التابعة لمؤسسة الرئاسة.

وسبق أن انتقد العديد من المسؤولين خطط تدريب الأئمة التي يضعها الأزهر ويتولى إداراتها منذ العشرات من السنين، وألمح بعضهم إلى أن قصر التدريب على العلوم الشرعية، لن يجدي نفعا في إعداد كوادر دعوية قادرة على الفهم المستنير، لذلك يهدف ضم عدد من شباب أئمة الأوقاف إلى التدريب بالأكاديمية الوطنية لتوسيع مداركهم بمختلف المعارف والعلوم، بهدف إعداد دعاة مستنيرين.

ويكشف سحب اختصاص تأهيل الأئمة من الأزهر عن تعمق الفجوة بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الرئاسة، التي تزداد وضوحا مع الوقت في شكل التناحر بين الأزهر الذي يرفض التدخل في سلطته الدينية والحكومة التي تراه متقاعسا في أداء مهمة تنقية التراث المطلوبة منه بشكل عاجل.

أكاديمية الأوقاف

يكمن جوهر أزمة ملف تجديد الخطاب الديني، في تخوف المؤسسة الدينية من تدخل جهات أخرى في شؤون الخطاب الديني، واعتبر الأزهر أن فكرة أكاديمية الأوقاف، التي تدعمها جهات رسمية، تعد تدخلا من جهات غير متخصصة في الشأن الديني. ويعدّها بعض شيوخ الأزهر مخالفة للمادة السابعة من الدستور المصري التي نصت على أن الأزهر الشريف “المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم، وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه”.

وأكدت مصادر قريبة من الحكومة لـ”العرب” أن صراع الأزهر والأوقاف لن يتوقف طالما ظل شيخ الأزهر أحمد الطيب في منصبه، واستندت تلك المصادر إلى ما وصفته برضاء مؤسسات وجهات سيادية على خطوات ومبادرات وزير الأوقاف، الذي تعتبره تلك المؤسسات رأس الحربة في مواجهة السلفيين والجماعات المتشددة.

مؤسسات الدولة تؤيد خطط الأوقاف في مواجهة التطرف، وتحمل الأزهر مسؤولية فشل تجديد الخطاب الديني

ولجأت الحكومة إلى وزير الأوقاف في العديد من المواقف، التي ترى أنها من اختصاص الأزهر، وكان آخرها أداء الوزير خطبة الجمعة الماضية في مسجد قرية الروضة بشمال سيناء، والذي شهد جريمة إرهابية العام الماضي قد راح ضحيتها 312 مواطنا على يد إرهابيين تابعين لتنظيم داعش.

وجاء تشكيل مجلس أمناء أكاديمية الأوقاف ويضم عددا من أعضاء هيئة كبار العلماء ليسوا على توافق مع الشيخ الطيب، بقصد قطع الطريق على أي محاولة لإفشال مبادرة الأوقاف.

وضم تشكيل مجلس أمناء أكاديمية الأوقاف مجموعة من أعضاء هيئة كبار العلماء ومنهم، نصر واصل مفتي مصر السابق، وعلي جمعة المفتي الأسبق، وأحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء، إلى جانب شوقي علام المفتي الحالي، وأسامة العبد رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، وآمنة نصير عضو مجلس النواب.

وتقدم الحكومة على تعزيز مكانة وزير الأوقاف، الذي يمثل أداة تنفيذية مرنة لتحقيق ما تراه من إصلاحات لازمة دون جدال، على عكس الشيخ الطيب الذي يبدو وكأنه يقف أمام رغبات السيسي الإصلاحية.

وأصبحت الحكومة أمام معضلة التخلص من الشيخ الطيب الذي يمثل صداعا مزمنا، لأن منصبه محصن بنص دستوري، لذلك تسعى إلى تهميش دوره وسلطاته.

وتأتي الأكاديمية الوطنية التابعة للرئاسة لتقف حجر عثرة أمام أكاديمية الأزهر التي أعلن عنها قبل ثلاث سنوات وكانت تؤيدها الحكومة، لكنها تخلت عنها كرسالة اعتراض وغضب من أداء الأزهر الرتيب.

تدريب الأئمة

يرى مراقبون أن مؤسسات الدولة تؤيد خطط الأوقاف في مواجهة التطرف، وتحمّل الأزهر مسؤولية فشل محاولات تجديد الخطاب الديني، وهذا ما يفسر عدم التجاوب مع مبادراته.

وكشف علماء بالأوقاف أن الحكومة حسمت ملف تدريب الأئمة لصالحها، والأمر أصبح واقعا، وسيتم التنسيق مع الأكاديمية الوطنية لتدريب الشباب بمؤسسة الرئاسة، والتدريب الفعلي يبدأ نهاية يناير المقبل، ومناهج التدريب لن تقتصر على العلوم الشرعية، ولكنها ستشمل علوما مختلفة في مجالات الحقوق والسياسة وعلم النفس والاجتماع.

من المقرر أن يقوم وزراء أوقاف ومفتون وعلماء من خارج مصر، بزيارة مقر الأكاديمية، والاتفاق على استضافة دعاة من مختلف الدول الإسلامية

وأضاف هؤلاء أن الهدف من تأسيس الأكاديمية هو التعامل مع الخارج خاصة في قضايا الإرهاب، وهذا ما يفسر الدعم الكبير من الأجهزة السيادية، وهناك توجه حكومي لتكون الأكاديمية من أدوات القوى الناعمة لمصر، ومن المقرر أن يقوم وزراء أوقاف ومفتون وعلماء من خارج مصر، بزيارة مقر الأكاديمية، والاتفاق على استضافة دعاة من مختلف الدول الإسلامية، على هامش المؤتمر الدولي للأوقاف الذي سيعقد يوم 20 يناير المقبل.

ورأى عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، أن فكرة الأكاديمية ليست جديدة، فمنذ عقود طويلة هناك تعاون بين مصر والعديد من دول العالم في مجال تدريب الأئمة، لكن تأسيس أ كاديمية لها مقر وهيئة تدريس نمط جيد، ويعد تطويرا لفكرة استضافة أئمة العالم الإسلامي في مصر.

وأضاف لـ”العرب” أن نجاح الفكرة يتطلب أن يكون التدريب متخصصا في كافة فرع العلوم الشرعية، وليس تدريبا شاملا على الخطابة أو إلقاء دروس دينية، بمعنى أن يكون هناك تدريب في الفقه، يتم على يد علماء أصول الفقه، وتدريب في الخطابة، إلى جانب رصد الأفكار المتطرفة عبر وسائل التواصل والرد عليها.

6