اختطاف الأطفال تغذيه الدوافع المادية

خلال الآونة الأخيرة انتشرت في المجتمع المصري حالات اختطاف الأطفال، التي تنوعت أغراضها ما بين سرقة أعضاء ومتاجرة وتسول قسري، لتزداد بشاعتها وجرائمها مع ما يروى من وقائع لأطفال ألقوا بالشوارع والأماكن المهجورة، وهذه الحالات انعكست على استقرار الأسر وأمن المجتمع.
الخميس 2017/07/20
مراقبة الأطفال تجنبهم خطر الاختطاف

القاهرة - كشفت إحصائيات صادرة عن المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، أن ظاهرة اختطاف الأطفال في تزايد ملحوظ خاصة خلال السنوات الأخيرة، حيث تم رصد 43 حالة اختطاف أطفال بين عمر عام إلى خمسة أعوام خلال أربعة أشهر فقط، وسجلت المناطق الريفية النسبة الأعلى في معدل انتشار حالات الاختطاف، بنسبة 70 بالمئة مقابل 30 بالمئة في المدن.

كما رصد المجلس القومي للأمومة والطفولة حالات أكثر خلال الربع الأول من عام 2015، مؤكدا أن غياب الرقابة الأمنية والاجتماعية السبب الرئيسي وراء انتشار تلك الظاهرة التي وصل معدلها إلى اختطاف 30 طفلا شهريا بنسبة تتراوح ما بين 1.5 بالمئة إلى 2 بالمئة.

وتروي وفاء أيمن، محاسبة وأم لطفلين قاطنة بمحافظة القاهرة، واقعة اختطاف طفلها، حيث كانت تتجول مصطحبة ابنها بأحد المولات التجارية المزدحمة، وفجأة اختفى ابنها واكتشفت عدم وجوده بجانبها فبدأت في الصراخ، وأدركها الأمن الذي استطاع ملاحقة الجاني من خلال كاميرات المراقبة والقبض عليه، وأعاد ابنها المختطف، وبالتالي أصبحت تخشى الخروج مع أولادها خوفا من أن تفقد أحدا منهم.

فيما تؤكد سعاد عبدالعاطي، ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، أنها بدأت تخشي من خروج أبنائها بمفردهم أو نزولهم لشراء مستلزماتهم، نظرا لانتشار حالات الاختطاف التي أصبحت أشبه بالسرطان المنتشر في البلد، حيث زادت مخاوفها بسبب حالات اختطاف الأطفال وأخذ أعضائهم، مؤكدة أنها لم تمنع نزول أبنائها بمفردهم إلا بعد علمها بأكثر من محاولة اختطاف لأبناء جيرانها.

43 حالة اختطاف بين عمر عام إلى خمسة أعوام رصدت خلال أربعة أشهر فقط

وحول أسباب انتشار ظاهرة اختطاف الأطفال، تقول الدكتورة آمال ثابت، أستاذة علم النفس الاجتماعي بجامعة عين شمس: هناك العديد من الدوافع الإجرامية والمادية وأيضا الاجتماعية والنفسية التي أدت إلى انتشار حالات اختطاف الأطفال، ولعل أقواها وأكثرها تأثيرا، الدوافع المادية للحصول على فدية مالية كبيرة، أيضا الدوافع الإجرامية ، فالكثير من العصابات التي تخطف الأطفال، تقوم بقتلهم وذلك على الرغم من تقاضيها الفدية المطلوبة إلا أنها تريد إدخال الرعب والخوف والشعور بعدم الأمان على الأسر وعلى المجتمع المصري.

ولفتت إلى وجود دوافع أخرى للخطف تكون أشد بشاعة كسرقة أعضاء الطفل وبيعها، وإجبار الطفل على التسول والتبني غير القانوني وأحيانا الدعارة.

وأشارت ثابت إلى أن الهوس بالمال جعل الفرد يقوم بأي شيء من أجل الحصول عليه وغالبا ما يقصد الجاني خطف الطفل الوحيد في أسرته، وذلك للضغط عليها نفسيا والحصول على أكبر قدر ممكن من المال، موضحة أن سوء الأحوال المعيشية والمعاناة من الفقر دفعا الأشخاص لارتكاب أبشع الجرائم لتلبية احتياجاتهم، وهو ما يغذيه الانحدار الأخلاقي وانتشار أفكار وثقافة العنف والبلطجة والمادية، التي غيرت من سلوكيات أفراد المجتمع وجعلتهم أكثر بشاعة وقسوة وهو ما بات يترجم في صورة جرائم لم تكن موجودة من قبل، ومنها اختطاف الأطفال والمتاجرة بهم وبيع أعضائهم وما في ذلك من بشاعة لا تبررها أسباب أو دوافع مهما كانت.

من ناحيتها تلفت الدكتورة منال عمران أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية بالقاهرة، إلى أن نتائج انتشار ظاهرة خطف الأطفال، تكون كارثية على المجتمع وأمنه الاجتماعي والنفسي، نظرا لأنها تزيد من شريحة أطفال الشوارع الذين يكونون بيئة مناسبة للظواهر السلبية التي من شأنها أن تهدد تماسك المجتمع وأمنه واستقراره، حيث يتحول غالبية الأطفال المختطفـين إلى مجرمـين أو متـدهورين نفسيا ومشوّهين من الناحية السلوكية.

الأوضاع الاقتصادية المتردية أدت إلى تفاقم الفكر الإجرامي لدى البعض من الخاطفين الذين يطلبون فدية من أهل الطفل المخطوف

وفي حالة عودة الطفل إلى أسرته مرة أخرى لا بد من عرضه على طبيب نفسي لتأهيله وعدم تأثير هذه الفترة على باقي حياته وإعادته للمجتمع مرة أخرى لأنه يكون في أشد الحاجة إلى رعاية خاصة.

وأوضحت عمران قائلة “الأشخاص الذين يقومون باختطاف الأطفال لا يمكن أن نطلق عليهم بشرا، فلا بد من تكثيف الجهود الإعلامية لتوعية الأمهات للحفاظ على أولادهم وتجنب خطر الاختطاف، لأن هناك خطورة تواجه المجتمعات بسبب هذه الظاهرة، بالإضافة إلى التكثيف الأمني ووضع عقوبة رادعة لمن يقوم بهذا الفعل لكي يكون بمثابة عبرة لغيره”.

وأضافت “لعل قصة المرأة التي ربطها الأهالي بمحافظة الشرقية هي آخر واقعة حدثت خلال الأيام الأخيرة، حيث ألقي الأهالي القبض على امرأة أثناء محاولتها اختطاف أحد الأطفال وقاموا بربطها في شجرة لكي تكون عبرة لغيرها، كذلك لا بد من توعية الأطفال وتأهيلهم لتجنب استدراجهم إلى فخ الاختطاف”.

أيضا يجب تعديل ما حل بالمجتمع من انحرافات في الضوابط والقيم والمعتقدات لتقويم اتجاهات سلوك أفراده، واستعادتهم من اتجاه العنف والبلطجة والمادية والسقوط الأخلاقي.

ومن جهة أخرى أكد محمود بدوي، المحامي ورئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان، أنه لا يمكن تجاهل تنامي اختطاف الأطفال في السنوات الأخيرة، من أجل بيعهم أو الاتجار بهم من قبل المتسولين أو غير ذلك من الوسائل الأخرى التي يتم استغلال الأطفال عن طريقها، إلا أن ذلك لا يرقى إلى وجود ظاهرة مجتمعية كبيرة.

كما أشار إلى أنه لا توجد إحصائيات دقيقة تؤكد وجود ظاهرة سرقة أعضاء الأطفال إلا أن خطفهم قد يجعلهم عرضة لذلك، مؤكدا على أن إهمال الأسر لأطفالهم في الميادين العامة في بلد مثل مصر قد يساهم في ارتفاع معدلات اختطاف الأطفال بل وغسيل مخهم من أجل العمل.

وشدد بدوي على ضرورة مراقبة الآباء والأمهات لأبنائهم وعدم الثقة الزائدة في أي شخص حيث أن ذلك يكون في الكثير من الأحيان سببا من أسباب نمو ظاهرة الخطف للأطفال.

وقال أحمد مصليحي رئيس شبكة الدفاع عن حقوق الأطفال بنقابة المحامين، إن قانون العقوبات الذي حدد السجن كعقوبة من 3 إلي 7 سنوات وُضع عام 1939، حين كان الخطف وقتها يقتصر على طلب الفدية، ولم يراع القانون وجود مستجدات أخرى طرأت على المجتمع، والطفرة التكنولوجية التي باتت تعمل بها عصابات خطف الأطفال على الإنترنت.

كما أشار خبراء قانون إلى أن ظاهرة خطف الأطفال موجودة في المجتمع المصري منذ سنين طويلة، إلا أنها تفاقمت في السنوات الأخيرة، واكدوا أن الأوضاع الاقتصادية المتردية أدت إلى تفاقم الفكر الإجرامي لدى البعض من الخاطفين الذين يحاولون كسب المال إما من خلال فدية من أهل الطفل المخطوف وإما التسول بالأطفال لاستعطاف المجتمع.

ونبه الخبراء إلى أن قضية اختطاف الأطفال باتت تثير رعبا كبيرا بين أسر مصرية كثيرة، خصوصا الفقيرة منها، وبينوا أنه مع تفاقم ظاهرة التسول بالأطفال في ظل عجز القانون عن حمايتهم لم يعد اختطاف الأطفال مجرد حالة فردية بل تحول إلى ظاهرة أصابت المجتمع المصري بسبب زيادة مساحات استغلال الأطفال سواء في عمليات التسول أو سرقة الأعضاء.

21