اختطاف الإسلام ناتج عن فشل الدولة في تدبير المجال الديني

فشل دولة الاستقلال العربية في تدبير المجال الديني أفرز ثغرات تسرب منها التشدد وأعلى راياته، لذلك فإن إثارة إشكالية الدين والدولة الوطنية في العالم العربي تبدو ضرورية اليوم، لسد الأبواب أمام رياح التطرف ولرسم علاقة صحية قوامها دولة لا تحتكر الدين ولا تلغيه.
الجمعة 2015/08/21
التطرف تسرب من شقوق فشل الدولة الوطنية في تدبير المجال الديني

في ندوة جمعتني بكل من أحمد الخمليشي، الفقيه القانوني المعروف ومدير دار الحديث الحسنية بالمغرب، ومحمد الصبار أمين عام المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على هامش مهرجان مدينة الحسيمة في الأسبوع الماضي حول التطرف الديني والإرهاب، كان السؤال الذي يلح في ذهني يتعلق بإشكالية الدين والدولة الوطنية في العالم العربي على ضوء التحولات التي نحياها اليوم، ولذلك ذهبت وأنا أحمل معي ورقة حاولت فيها أن أقدم إسهاما جديدا، لعله لم يلق القبول الذي كان متوقعا لكنه كان بالنسبة لي خطوة أولى على طريق إعادة التفكير في علاقة الدين بالدولة، وفق باراديغم جديد.

حتى وقت قريب لم يكن أحد من المفكرين العرب يقف عند فشل تدبير الدولة للمسألة الدينية بعد حقبة الاستقلال الوطني، كان الجميع ينهمك في تحليل إخفاقات الدولة على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكن المسألة الدينية لم تلق الحظوة التي تستحق، بسبب اعتبارها زائدة، أو مفروغا منها، ولذلك قلت خلال الندوة إن الأنظمة العربية لم تدرك أهمية الدين بالنسبة لاستقرار الدولة ولضمان الوحدة الاجتماعية والثقافية للمجتمع إلا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 بشكل خاص، إذ بدأ الحديث عن التجديد الديني وعن إصلاح المؤسسات المرتبطة به، بعد أن لاحظت ظاهرة “اختطاف الإسلام” من لدن الجماعات المتشددة التي جعلت من نفسها نظاما سياسيا وفقهيا على هامش وفي موازاة، النظام السياسي والفقهي العربي الرسمي، فأخذت تتململ راغبة في استعادة المبادرة على صعيد الحقل الديني.

تجلت مظاهر عودة الاهتمام بالدين لدى الدولة في بروز الإلحاح على الصفاء المذهبي ورسم حدود للثوابت الدينية للدولة، على نحو ما فعل المغرب في ما يتعلق بالعقيدة الأشعرية والفقه المالكي، أو في إعادة قراءة الموروث المذهبي بنفس إصلاحي، على غرار ما قامت به المملكة العربية السعودية في ما يتعلق بالمذهب الحنبلي والمدرسة الوهابية التي كانت أبرز ترجمة له خلال القرنين الماضيين.

ويشكل هذان البلدان نموذجين عربيين لارتباط الدين بالدولة تاريخيا، وهما بلدان حافظا على الأسس الدينية للنظام السياسي، لكن إذا كان الوضع بالنسبة لهذين البلدين قد طرح إشكالية دينية وسياسية في حقبة ما بعد 11 سبتمبر، فإن الحال بالنسبة للبلدان الأخرى كان أكثر إشكالية، خصوصا ما يرتبط بالأنظمة التي نهجت نهجا قوميا أو اشتراكيا أو خليطا من الاثنين، وأخذت مواقف شبه مناوئة للدين، أو على الأقل مبعدة إياه من الخطاب السياسي والحقل العام.

أحد الأخطاء الأساسية التي وقعت فيها الدولة الوطنية العربية، أنها لم تحسم موقفها من المسألة الدينية بوضوح

أحد الأخطاء الأساسية التي وقعت فيها الدولة الوطنية في العالم العربي، منذ مرحلة الاستقلال في القرن الماضي، أنها لم تحسم موقفها من المسألة الدينية بوضوح، وأغفلت وضع سياسة وطنية لتدبير الملف الديني على نحو سليم. ولعل مرد ذلك، في تقديري، أن مهندسي الدولة الوطنية العربية عمدوا إلى اصطناع نوع من المماثلة بين الدولة الوطنية العربية بالخلفيات الدينية والثقافية للمجتمعات العربية، وبين الدولة القومية في الغرب، التي كانت لها خلفياتها الدينية والثقافية المغايرة، وما عزز من أطروحة المماثلة هذه أن النخبة الفكرية العربية خلال حقبة الستينات والسبعينات -وهي مرحلة إرساء أسس الدولة الوطنية تقريبا- نظرت لمفهوم الدولة انطلاقا من السياق الأوروبي، دون إدراك مناطق المغايرة ومناطق المشاكلة، واتجهوا نحو التبشير بمفهوم للدولة المحايدة أو الجامدة، بحيث لم يتم دمج المسألة الدينية في المعادلة.

النتيجة التي حصلت، باختصار، أن الدين بقي خارج السياسة العامة للدولة، مما وفر استثماره من الجماعات الإسلامية التي ولدت لتسد مسد الدولة الوطنية الحديثة، وتطرح نفسها بديلا للقطيعة بين الدين والدولة، إذ يتعين القول بأن أحد مبررات قيام هذه الجماعات في بداية القرن الماضي هو تهميش الدولة للدين، وتركه خارج الفضاء العام.
عودة الدولة إلى تدبير الحقل الديني طرحت العديد من المشكلات، لأن الكثيرين أصبحوا يفاجأون بهذه العودة، التي تتمثل في رزمة من الإجراءات التي ترمي إلى ترسيم المجال الديني وتقنينه. وأمام هذا الوضع يظهر فريقان، فريق يرفض السياسة الدينية للدولة لأنه ينشد الدولة الدينية، وفريق ثان يرفض تلك السياسة لأنه ينشد الدولة العلمانية، كلا الفريقين يرفضان تلك السياسة باسم هيمنة الدولة على الدين، لكنهما يختلفان في الهدف.

قلت في الندوة إن هذين النمطين من التفكير في الواقع يلتقيان في نقطة أساسية تجمع بينهما، وهي أنهما يفكران من داخل الثقافة العربية الإسلامية التقليدية التي لم تعرف مفهوما للدولة الوطنية كما هي اليوم، ويفكران من داخل مفهوم الخلافة، حتى دون إدراك ذلك من لدن الفريق الثاني، والحال أن الإسلام دخل اليوم مرحلة تاريخية غير مسبوقة، ويجب أن نفكر من داخلها لكي نحقق الانسجام والتلاؤم بين واقعنا السياسي الحديث وبين الإسلام كدين، أي من داخل الدولة الوطنية لا من خارجها.

ولذلك تقدمت بهذه الأطروحة، مستفيدا من التراكم النظري للفيلسوف الأميركي جون راولز مع تكييفه: كيف نجد صيغة مبدعة للتوفيق بين آلية التدبير والضبط، التي هي مهمة الدولة الوطنية بشكل أساسي، وبين مبدأ الحرية الذي يتيحه الإسلام بما هو دين الحرية الشخصية والفكرية، بما في ذلك الحق في الاعتقاد (مصطلح بديل لمصطلح حرية الاعتقاد، كنت قد دافعت عنه قبل نحو عام)، وذلك لأننا اليوم أمام خيار صعب: إما تخلي الدولة عن المجال الديني، وفي هذه الحالة فإن الجماعات المتطرفة ستستولي عليه، وإما إشرافها على هذا المجال، وفي هذه الحالة يتعين التوفيق بين حق الجماعة في الأمن الديني، باعتبار الدولة التعبير السياسي الحديث عن الجماعة، وبين حق الفرد في ضمان حريته.

13