اختفاء البشر

الاثنين 2016/12/19

“اضغط على الزر يختفي الأستاذ”، عبارات رددها جيل بعد جيل متندرا، لكن ما من أحد كان يظن أن الأمر سهل، هل يمكن فعلا أن يختفي الأستاذ بضغطة زر رسمه التلاميذ على مكتب أستاذهم بالطباشير أحيانا وبالأقلام أحيانا أخرى ببلاهة؟

تطالعنا اليوم الكثير من الاختراعات الجديدة والابتكارات الحديثة، حتى أن ما كان محل شك في أذهاننا ونظر إليه السلف على أنه محض خيال علمي صار اليوم الشاهد على ما نعايشه من تطور تكنولوجي. ولم يعد الأستاذ الوحيد المعني بهذه الجملة الشهيرة، بل مجرد ذرة لا ترى بالعين المجردة في فضاء عالم يسير وفق تنبؤات الحداثة نحو الاختفاء.

وكان أحد أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم ستيفن هوكينغ دعا البشر إلى الفرار إلى الفضاء، لأنه يعتقد أن حياتهم مهددة على سطح الأرض، لا سيما مع تزايد انتشار الذكاء الاصطناعي. وأكد العالم البريطاني أن مستقبل البشر يكمن في السفر إلى الفضاء.

في السابق كان هذا الطلب محل استهجان من البشر، لكنه اليوم يستمد شرعيته مما وصلت إليه وكالة الفضاء الأميركية ناسا من مجهودات لاستيطان المريخ، حتى أنها أعلنت أوائل العام الحالي عن وظائف شاغرة بالكوكب الأحمر، بالإضافة إلى تصميم منازل صالحة للعيش في الفضاء، إلى جانب الاعتماد على التكنولوجيا الزراعية لتوفير الأكل والشرب خارج الأرض.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد عملت بعض الدول على إضافة السياحة الفضائية إلى دليل السفر، آخرها ما أعلن عنه مؤسس شركة استكشاف الفضاء مون إكسبراس، بأنه بإمكان المتزوجين حديثا في غضون السنوات العشر المقبلة، أن يذهبا في رحلة إلى الفضاء لقضاء شهر عسلهما بدل إحدى الدول.

وبعيدا عن فكرة استيطان المريخ ومغادرة الأرض، اختفى البشر بصور افتراضية خلف أسماء مستعارة داخل مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أنه قد يصادف أن تقام علاقات افتراضية بين أفراد العائلة الواحدة دون أن ينتبهوا إلى ذلك، رغم محاولات أصحاب منصات هذه المواقع حماية مستخدميها إلا أنها أظهرت في مرات كثيرة قصورها ومثلا على ذلك تعرض بعض المشاهير إلى مضايقات ومحاولات سرقة بسبب تدوينهم على صفحاتهم لوجهاتهم ونشاطاتهم بشكل دائم.

وظهرت للاختفاء في عصر التكنولوجيا مظاهر مختلفة عن فكر متصاب ربطها بفرحة غياب الأستاذ، فقد أظهر العلماء حماسا لا يفتر مطلقا بشأن طموح بناء المزيد من الروبوتات المؤنسنة بصورة أكثر تطورا، لها مظهر البشر، ومزودة بحواس للسمع والرؤية.

المزيد من الروبوتات التي يحاول العلماء تزويدها بالكثير من الصفات الإنسانية تقود العالم إلى نسخ بشرية تزيح الكائنات الأصلية عن طريقها، حتى أن مجلة فوربس أعدت لائحة من 20 مهنة أو حرفة بدأت بالتلاشي.

ويعود هذا الاختفاء إلى ما أفرزه التطور التقني من أنظمة وتطبيقات وبرامج إلكترونية بديلة توفر الوقت والجهد في العديد من الوظائف.

ترى هل سيختفي الجيل القادم خلف أسوار ذكية أم أنه سيعيد برمجتها لصالحه؟ سؤال يظل رهين ما يشهده العالم من طفرة تقنية لا حد لها.

كاتبة تونسية

12