اختفاء العراقيين

الأربعاء 2016/02/03

حين تمت شرعنة الميليشيات في العراق كان ذلك نذير شؤم بالنسبة للعراقيين الذين يملكون قدرة استثنائية على الكذب على النفس، من جهة تعلقهم بالأمل. كانت الضربة التي وجهتها المرجعية الدينية إلى الشعب شديدة القسوة. لقد قفزت المرجعية يومها على الدولة حين دعت إلى تشكيل الحشد الشعبي.

فالحشد الذي دعت إليه المرجعية لم يتشكل من المتطوعين الراغبين في الدفاع عما يسمى بالمزارات الدينية (لم يرد ذكر للعراق في الفتوى الدينية) بل تم تلفيقه من خلال تجميع الميليشيات الفالتة بسلاحها تحت قيادة موحدة تمثلت بفيلق بدر، وهي الجماعة المسلحة التي سبق لها وأن قاتلت الجيش العراقي من الجهة الإيرانية في حرب الثماني سنوات.

لم يفسد ذلك التنظيم المسلح على الحكومة خططها في إعادة بناء الجيش العراقي الذي تبخر الجزء الأكبر منه بعد احتلال الموصل فحسب، بل وقامت ميليشيات تابعة له بأداء أدوار مريبة تحت غطاء الواجب الأمني بعد أن تم تعطيل دور القوى الأمنية، وهو ما نتج عنه تزايد حالات الخطف الذي بدأ فرديا وانتهى جماعيا.

يشكو العراقيون من أن أبناءهم صاروا يختفون، من غير أن يجدوا جوابا لدى الأجهزة الأمنية التي تقف عاجزة، إما بسبب تواطئها وإما بسبب خوفها من الحشد الشعبي الذي صار الإعلام الرسمي يضفي عليه صفة القداسة. لقد أضيف الحشد الشعبي إلى سلسلة طويلة من المقدسات التي لا تُمسّ في المعجم اليومي العراقي.

يستعيد العراقيون بفزع ذكرى فرق الموت، وهي الفرق التي ظهرت فجأة قبل سنوات، وانصبّ عملها على الخطف وقتل المخطوفين وإلقاء جثثهم في الشوارع، برؤوس أو من غيرها.

لم يكن الهدف من نشاط تلك الفرق عبثيا، بالمعنى الذي يجعل من القتل هدفا لذاته. فبالرغم من أن القتل لم يكن من نصيب طائفة أو فئة دون غيرها، فإن إشاعة الذعر بين السكان المدنيين كانت هدفا تسعى إليه الجهات التي تقف وراء تلك الفرق، وهو هدف لا يقل تأثيرا عن القتل.

لقد قتلت يومها قدرة العراقيين على السؤال عما يُخطط لهم من مشاريع في ظل الاحتلال وحكوماته التي يديرها طاقم لا يملك أدنى خبرة أو موهبة أو حتى رغبة في إعادة بناء الدولة التي حطمها المحتل الأميركي.

اليوم يتكرر السيناريو نفسه.

الخطف صار جماعيا. هناك قرى وبلدات عراقية يشكوا أهلها من اختفاء أبنائهم. المئات من الشباب العراقي يختفون، من غير أن يظهر لهم أثر. لا أحد في الحكومة يملك جوابا على السؤال الحائر المتعلق بمصير أولئك الشباب.

ما من جهة تملك القدرة على القيام بعمليات الخطف، وفي الوقت نفسه تكون قادرة على إسكات الحكومة ومنعها من القيام بواجبها مثل الحشد الشعبي المقدس.

الشهود، وهم أهل الضحايا، أكدوا أن عمليات الخطف المنظم تقوم بها أفواج تابعة للحشد الشعبي وترتدي ثيابه. وهم (أي الشهود) لا يملكون مفاتيح الحل التي تساعدهم على الوصول إلى السجون التي تديرها ميليشيات الحشد، فالأمر أشبه بالدخول إلى متاهة، لن يكون المرء على يقين من أنه سيخرج منها سالما.

أما لماذا يقوم الحشد بخطف أبناء المدن والبلدات التي وقعت تحت سيطرته، فجواب ذلك السؤال يكمن في التمهيد للمرحلة المقبلة التي سيواجهها العراقيون في ظل دولة مفلسة، ستكون عاجزة عن دفع الرواتب لموظفيها.

في ذلك الوضع ستكون الاحتجاجات متوقعة، وهو ما سيربك عمل الكتل الحزبية في رعاية مصالحها وقد يهدد تلك المصالح. لذلك فقد جرى توجيه ميليشيات الحشد الشعبي لتقوم بدورها في الانحراف بسؤال الشعب من التفكير بسبل العيش وإدارة شؤون الحياة، إلى التفكير بالمصير وسبل البقاء. وهو ما يستدعي تجنب الصدام مع الفاسدين الذين يستقوون بالحشد المقدس ويوفرون له في المقابل الغطاء القانوني والدعم المادي. في وقت قياسي خطف الحشد الشعبي الدولة، فهل تقوى دولة مخطوفة على السؤال عن مصير من يختفي من العراقيين؟

كاتب عراقي

8