"اختفاء" فيلم نرويجي يثير عاطفة جمهور القاهرة السينمائي

الإقدام على رحلة الموت عملية ليست سهلة، إذا كان صاحبها قد اختارها بإرادته لينهي بها انتظار مصير مجهول، ربما يحمل معه الكثير من الآلام والأوجاع التي يمكن أن تغير من جمود شخصيته وتحوّله إلى هيكل ضعيف بما لا يتناسب مع طبيعة الحياة التي اعتاد فيها على قسوة أيامها ومواجهتها بمفرده.
الجمعة 2017/12/01
أم بعواطف متناقضة

القاهرة – فيلم Disappearance "اختفاء" الذي عرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي في دورته التاسعة والثلاثين التي اختتمت الخميس، يرصد صراع فتاة بين التمسك بخيار الاستمرار بالحياة أو الاختفاء والتخلي عنها انتظارا لقدر الموت بعد أن داهمها مرض “السرطان” في مقتبل عقدها الثالث، وأعلن حربه عليها بانتشاره من الثدي إلى المعدة، ليجعلها تتأكّد أن رحلة الموت محتومة لا مفرّ منها.

اللغة السينمائية التي ناقش بها مخرج "اختفاء" بودوفين كول قضية فيلمه ابتعدت عن التقليدية المعتادة في مناقشة مثل هذه القضايا في المعالجة السينمائية، حتى أن معرفة المشاهد بخبر مرض بطلة الفيلم الهولندية ريفكا لوديزن، ترد مجرّد ذكر غير واضح على لسانها خلال إقامتها علاقة جنسية مع صديق قديم لها، “أنا أموت.. كان عندي هنا ثم انتشر هنا”، في إشارة أولى إلى الثدي ثم المعدة.

وهذه العبارة التي تصدم الصديق القديم يفسّر بها المخرج للمشاهد تركيبة شخصية البطلة التي بدا على ملامح عينيها ووجهها الحزن منذ ظهورها الأول على الشاشة، وجعلها تنظر إلى جميع أفراد عائلتها الصغيرة المكونة من أم وأخ أصغر لا يتجاوز عمره الرابعة عشرة نظرة وداع بين الحين والآخر، وكلما أقدمت على الاعتراف لوالدتها بسرّها تعود إلى إخفاء أوجاعها، خصوصا أمام قسوة الأم وصلابتها من خلال تعاملها معها.

اللغة التي ناقش بها المخرج قضية الفيلم ابتعدت عن اللغة التقليدية في معالجة هذه النوعية من القضايا السينمائية

عاطفة باردة

يأخذنا كاتب العمل جولاين لارمان في نزهة مرئيّة للنرويج يرصد لنا خلالها طبيعتها التي غطّتها الثلوج ما يزيد من جمود وصلابة الأم، لأن الابنة كانت تعيش بمفردها بعيدا عنها بعد انفصالها عن والدها وتحضر إليها مرة في كل عام.

وسط هذه الطبيعة الثلجية التي تملأها قمم الثلوج البيضاء تخفي بأسفلها بركات مائية صغيرة، تعيش الأم بصحبة نجلها الصغير بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الكلاب التي بدت عملية إقامتها في مزرعة صغيرة لها، وكأنها أصبحت “الأنيس والصديق” لها في حياة العزلة، لأنها تجرّ عددا منها على زلاقات جليدية في مشاهد تنزه خارج المنزل.

التركيبة التي قدمها مؤلف الفيلم للأم شديدة الثراء بين سيدة تعزف البيانو وتعلمه للأطفال الصغار ما يدلّ على رقة ونعومة بداخلها، وتقوم بتربية الكلاب كبيرة الحجم وهي المهنة أو الهواية التي اعتاد على فعلها الرجال لطبيعتهم الخشنة، ويكلّل نجاح مشاهد الأم بترجمتها لهذه المراحل النفسية بين الرقة والصلابة بتعبيرات وجهها وجسدها، بل ملابسها أيضا فهي على البيانو أنثى ترتدي الفستان وتبتسم وتميل مع حركات أصابعها بجسدها نحو اليمين واليسار، أما في مشاهد التعامل مع الكلاب، فهي السيدة ذات الملامح الصلبة التي ترتدي سروالا وقبعة "آيس كاب" ومعطفا ثقيلا، وهذا أيضا تماشيا مع طبيعة البرودة القارسة التي تعيش فيها.

رووس الابنة المريضة بالسرطان تعاني من جفاء والدتها التي لا تتذكر أنها غنت لها أغنية واحدة في طفولتها، حتى أنها تطلب منها ذلك في أحد المشاهد ولا تستطيع الأم في الوقت الذي كانت تحتفي فيه بعيد ميلاد طفلها الصغير وتغني له وترقص معه، وكأن الأم لم تغفر ترك ابنتها لها والذهاب للعيش مع والدها من ناحية، واعتبار أن طفلها الصغير هو الرجل الأهم والأساسي في حياتها والذي تمنحه حبها الأكبر بعد الانفصال عن الزوج، من ناحية أخرى.

قسوة الأم في معاملتها الجافة لابنتها تعود خلفيتها إلى رحلة قاسية عاشتها هي أيضا عندما أودعها والداها في مدرسة داخلية بقيت فيها وحيدة تطوف العالم مع فرقتها الموسيقية بمفردها، هذه التجربة القاسية الخالية من المشاعر طبقتها الأم بشكل غير مباشر على ابنتها وكأنها ترى فيها إعادة للشريط الزمني لحياتها، ما يزيدها جفاء تجاهها.

تحد كبير لعبته بطلة الفيلم حتى تبدو بهذه الملامح المتلاحمة مع شخصية رووس، فطوال الأحداث نجد شخصية تعيش تأزما نفسيا في إخفاء مرضها، وفي محاولتها الاستمتاع بمحطات الرحلة الأخيرة ما بين السباحة في المياه مع الأخ الأصغر، أو تناولها لجرعات كبيرة من الخمور، أو إقامتها علاقة مع صديقها القديم وكأنها تريد التشبّع من الحياة قبل أن تتّخذ قرارها بالاختفاء في نهاية الأحداث.

كاتب العمل يأخذ المشاهد في نزهة مرئية للنرويج راصدا خلالها طبيعتها التي غطتها الثلوج، ما يزيد من جمود وصلابة الأم

رحلة حياة

شخصية رووس التي بدت صلبة في مرضها إضافة إلى تحملها قسوة الأم عليها دائما، تبدو الأضعف في مشهد تذهب فيه إلى رحلة صيد مع الصديق الذي تطلب منه أن تلتقط صنارته إحدى السمكات التي تسبح في البركة المائية الصغيرة المحاطة بصحراء ثلجية.

ورغم تنفيذه طلبها والتقاطه سمكة، إلا أنها تختار لها الحياة بعد أن تلتقط أنفاسها الأخيرة بين يديها، في نظرة عميقة نحوها وكأنها أرادت الحياة لمن له الفرصة في البقاء، وهو ما حرمت منه نفسها بعد أن رفضت تلقي العلاج ومواجهة مصير الآلام والأوجاع.

الأخ الصغير، هو رمانة الميزان في هذا العمل، فمن خلاله يرصد مخرج الفيلم جمال هذه الطبيعة الثلجية التي يحوّلها الصغير عبر قطع بيضاء طويلة وقصيرة إلى نغمات صوتية مجسّمة يسجلها عبر جهاز “اللاب توب”، وكأن المخرج أراد أن يقول إن هذه الجبال البيضاء الصلبة هي لحن الطبيعة الموسيقي، وتتجلى جمالية هذه المشاهد في تلك التي جمعت بين الأخ وشقيقته الكبرى في “كادرات” ضيقة وسط هذه الطبيعة تعبيرا عن حالة القرب والمحبّة بينهما، والتي تعتبر فيها الأخت أما لهذا الصغير، في حين جاءت المشاهد بين الأم وابنتها في “كادرات” تصوير واسعة وسط هذه الطبيعة، تعبيرا عن بعد المسافة بينهما.

ويحاول الأخ الأصغر من خلال علاقته بالثنائي “والدته وشقيقته” أن يجمع بينهما ويقرّب كلاهما إلى الآخر، وتتجلى مشاهد حبه لشقيقته حين يعرف مع نهاية الأحداث مرضها، فينهار بقوّة وسط هذه الثلوج لتجذبه شقيقته نحوها بقوّة إلى أحضانها التي كانت شاهد عيان على علاقتهما معا، طوال الأحداث لا تشوبها حواجز إلى الدرجة التي جعلت مسافة القرب بينهما تفرض عليهما النزول إلى المسبح معا.

كل هذه اللغات السينمائية وأكثر يقدمها المخرج بإتقان شديد بعيدا عن المباشرة الصريحة في علاقة الشخوص أو لغة الطبيعة التي يعيشون فيها أو بمراحل تأزم البطلة وغيرها، ولأن المنطق هو الذي يسود الأحداث منذ انطلاقها، فمع لين الأم عقب علمها بنبأ مرض ابنتها، تتمسّك الابنة بقرارها في الذهاب بعيدا والاختفاء من الحياة في انتظار حياة العالم الآخر، وهنا لم يتخل المؤلف عن الخط الواضح في العلاقة بين الأم وابنتها الذي ظهر منذ البداية، فلم يجعل الأم صاحبة تأثير أكبر على قرار الابنة أو أظهرها بمشاعر مفرطة في الحنان الذي تفتقده هي في أساس شخصيتها.

وتتجلى عظمة الأحداث في حلقة الربط التي افتتح بها المخرج فيلمه وأنهاه بها من خلال الطفلة الصغيرة رووس التي تجلس على البيانو وتعزف لحنا منفردا تعقبه تحية كبيرة من الجمهور، يليه أيضا مشهد وقوف الطفلة لتحية الجمهور، والذي اختتم به وكأنها تودّعه الوداع الأخير.

16