اختلاط حابل الجهاد المزعوم بنابل الطائفية البغيضة

الثلاثاء 2014/01/14

من هو العربي، في كل الدول العربية بدون استثناء، الذي لا يشغله حاضر أمته الآن كما يشغله مستقبلها الذي أصبح، أكثر من السابق، في مهب الريح، حيث لا يعلم أحد ما سنصبح عليه غدا بين الأحداث وعواصف الحروب والاقتتال المحلي، الذي يمد أذرعته الطويلة والقاسية في طول البلدان العربية وعرضها؟ ومن، في المقابل، لديه القدرة على التنبؤ بانتهاء الحالة العربية المأساوية الراهنة التي تسلمنا وتسلم أولادنا إلى المجهول، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟ وهل يرى أحد منا، في أي مكان، بصيص نور في نهاية هذا النفق العربي المظلم؟

أنا على المستوى الشخصي توقعت ما يحدث الآن منذ سنوات طويلة، لكنني لا أذكر، على وجه الدقة، متى قلت لبعض أصدقائي السعوديين أن هذا المد المسمى بالمد (الصحوي) سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، ليس فقط على مستوى الشعوب العربية المستضعفة سلفا، وإنما على مستوى الأنظمة السياسية التي تلعب بورقة هذا المد وتمكنه من التغلغل في حياة الناس. كان ذلك ربما أثناء عودة (المجاهدين) من أفغانستان بعد أن دارت رحى الحرب آنذاك بين فصائل الجهاد نفسها. وربما كان على أطراف الأحداث الإرهابية التي شهدتها السعودية على يد أمراء الجهاد الذين بُويعوا في الظلام على المنشط والمكره وتكفير الحكام والعلماء والناس.

وبعد هذا التوقع بزمن طويل، حين دارت رحى الأفكار الحرة والشعبية، على وسائل التواصل الاجتماعي ابتداء من العام 2006 أخرج المتحفظون العرب ما في جعبتهم من توقع النهايات المأساوية لحواضن التطرف والإرهاب. واتضح لي ولغيري أن المجتمعات العربية، فيما تبثه وتتبادله من أفكار على هذه الوسائل، منقسمة على نفسها من حيث احتضانها أو رفضها للأصوليين الذين لم يفتروا عن إذكاء نيران هذا الانقسام، مرة باسم الله والدين (الحق) ومرة باسم الخلافة الإسلامية التي يجب أن تعود لتملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا. وهذا، بطبيعة الحال، مهّد لظهور كل التيارات على السطح، حتى تلك التيارات التي مارس بعضها التقية خشية التصفية الفكرية والجسدية من تيارات الصحوة، التي تبنى بعض رموزها ممارسة الإسلام السياسي، منهجا وفكرا وعنفا.

ومن وجهة نظري فقد كان من بين أسباب تخلي التيارات المضادة لتيار الإسلام السياسي عن تقيتها رغم ما كان يتهددها من هذا التيار، أن المسألة أصبحت بالنسبة إليها مسألة بقاء أو اضمحلال، أو مسألة حياة أو موت، بعد أن تيقنت بأن المحسوبين على تيار الإسلام السياسي ليسوا قابلين، بأي حال من الأحوال، لاستيعاب ألوان الطيف الفكري والاجتماعي. ولذلك انتقلت هذه التيارات بشكل قد يبدو مفاجئا من حالة الصدام الفكري المشروع إلى حالة من التصادم الفكري المكشوف مع رموز تيار الإسلام السياسي الطامحين إلى الإمساك بمصائر الأوطان والشعوب.

وكان من بين مظاهر هذا التصادم على سبيل المثال في السعودية والخليج وبعض الدول العربية، ارتفاع أصوات الليبراليين والعلمانيين وانتشار أفكارهم وتعدد منابرهم الإعلامية، وارتفاع صوت المرأة المطالبة بحقوقها الطبيعية في الحياة والعمل والمشاركة المجتمعية والسياسية. كما ظهر جليا، في ظل هذه التصادمات المكشوفة، صوت من يصفون أنفسهم بالوسطيين الذين يرفضون مزايدات هذه التيارات، المتشددة والليبرالية، على بعضها ويطالبون بالعودة إلى صفاء الدين الإسلامي وسماحته وقدرته على بناء الحياة العادلة والمنتجة، التي تعيد للمسلمين والعرب أيام مجدهم وريادتهم التي عرفوها في قرون الاستنارة العربية الإسلامية، التي أعلت من قيمة الإنسان فتسيّدت، دينا ولغة وعلما ومعاملة، بقاعا شاسعة من الأرض دانت شعوبها للواء الإسلام.والآن، بعد كل هذه المناجزات الفكرية، الساخنة والباردة، على مدى ما يقرب من ثلاثين سنة، ماذا لدينا، أو، إذا جاز هذا السؤال: من الذي انتصر في الحرب الأهلية العربية الفكرية؟

الحقيقة أنه ليس لدينا شيء مهم يذكر، ولم ينتصر أحد في هذه الحرب، إلا إذا اعتبرنا القبور والعاهات والتشرد جوائز انتصار. ما حدث بالضبط هو أن التطرف الديني، الذي استغل ووظف من أطراف داخلية وخارجية، قد سيطر على المشهد برمته قبل ثورات ما يسمى الربيع العربي. ثم بعد هذا الربيع وجد ساحات خالية وغبية تستوعبه وتبرر إرتكاباته، لندخل من جديد إلى نفق أشد ظلاما من الأنفاق المظلمة السابقة.

نحن الآن، بعد كل أشكال وألوان المنظمات والجماعات المتطرفة السابقة والناشطة في ساحات التخلف العربي، بإزاء منظومة (داعش) الجهادية التي تلعب بالرؤوس المقطوعة لخصومها ككرة في طريقها إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام كمرحلة أولى لقيام دولة الخلافة. ومسألة دولة الخلافة هذه هي مسألة الجميع: الإخوان والقاعدة وجبهة النصرة وكل الفصائل التي تملأ أنهارنا بالدم وتدفنها بأشلاء الأعداء المحاربين كما تدفنها بأشلاء المدنيين المستضعفين.

هناك الآن ما يقرب من أربعة عشر ألف “داعشي” من جنسيات عربية مختلفة يملأون الأرض جورا وظلما ورعبا، ويأخذون أمتهم، بعد أن أخذتها ديكتاتوريات وتشددات الماضي، إلى واد سحيق من التخلف والاضمحلال. وما يزيدهم تمكنا ورسوخا تلك الممارسات السياسية الطائفية التي تستخدمهم في معسكرها المواجه للمعسكر آخر. ولذلك هم وجدوا ضالتهم في نزاعات الطوائف التي يقودها الآن سياسيون لا يترددون في الإعلان عن طائفيتهم، ويوظفون في سبيل نصرتها كل الإمكانات التي تحت أيديهم. وبذلك تنشأ حالة عربية جديدة أبشع وأنكى من السابق، حيث يختلط حابل الجهاد المزعوم بنابل الطائفية البغيضة، لتبقى الشعوب العربية تدفع مزيدا من أرواحها وأرزاقها وآمالها في المستقبل لحساب هذا التخلف الإنساني والتنموي، الذي توقع ثوار الربيع أن ينقص وإذا به يزيد أضعافا مضاعفة ليعيدهم إلى مربع الخريف الأول.


كاتب سعودي

8