اختلال التوازنات في المشروع السني والمسيحي أمام تماسك جبهة حزب الله

عكست الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان تحولا في المزاج السني والمسيحي، حيال القوى السياسية الرئيسة الممثلة له، ويربط متابعون هذا التحول بالمشهد الإقليمي وأيضا بسياسة هذه القوى في مواجهة مشروع حزب الله.
الثلاثاء 2016/05/31
مفاجأة الانتخابات

بيروت - أسدلت الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان، ستارها الأحد بعد شهر حافل بالمفاجآت بالنسبة لجبهتي السنة والمسيحيين، فيما حافظ التحالف الشيعي (حزب الله وحركة أمل) على مواقعه.

ولم تجر الانتخابات البلدية بما تشتهي سفن المستقبل، القوة الأبرز على الساحة السنية، حيث مني التيار في الجولة الرابعة والأخيرة من الانتخابات التي دارت في محافظة الشمال وعكار بهزيمة مدوية في طرابلس أمام لائحة “قرار طرابلس” المدعومة من قبل وزير العدل المستقيل أشرف ريفي.

وكان المستقبل قد دخل في تحالف مع غريمه السياسي نجيب ميقاتي، في انتخابات طرابلس، ولكن ذلك لم يقف حائلا دون فوز ريفي القوة الصاعدة في المجتمع السني.

يذكر أن المستقبل قد خاض الاستحقاق البلدي عبر تحالفات وليس منفردا، في محاولة منه لتجنب المفاجآت غير السارة، ولكن الأمر لم ينجح.

ولا يظهر ذلك فقط في طرابلس، بل أيضا في صيدا (عاصمة الشمال)، فانتصاره هناك لم يكن كاملا في ظل نسبة التصويت المتدنية، رغم نداءات قادة التيار وعلى رأسهم سعد الحريري، وقبلها في العاصمة بيروت حيث أنه ورغم تحالفه مع كل الطيف السياسي تقريبا في لبنان إلا أن نسبة المشاركة في التصويت كانت جد ضعيفة، كما أن اللائحة المقابلة له “بيروت مدينتي” والتي شكلها المجتمع المدني (لا تحظى بأي دعم)، تمكنت من حصد آلاف الأصوات حتى أنها كنت متقاربة مع المستقبل.

ويرى متابعون أن الانتخابات البلدية تعكس حقيقة تحول في المزاج السني اللبناني خاصة، نتيجة الأوضاع الإقليمية المعقدة، والتي لم يستطع المستقبل أن يجاريها. وينتقد الكثير من أبناء السنة طريقة إدارة المستقبل لأمهات الملفات ومنها العلاقة مع حزب الله.

فالمستقبل خير سياسة “ربط نزاع” أي عدم المواجهة مع الحزب المدعوم من إيران والذي يعمل جاهدا من خلال تعطيل المؤسسات الدستورية بدءًا برئاسة الجمهورية على فتح المجال أمام الفراغ تمهيدا لانقلاب على النظام القائم على الطائف منذ العام 1989، وتشكيل نظام جديد يعزز قبضته على البلاد.

كما عمد المستقبل إلى دعم خيار تولي زعيم حزب المردة سليمان فرنجية منصب رئاسة الجمهورية، وفرنجية معروف عنه عداءه للحريرية وتحالفه الاستراتيجي مع الحزب الشيعي.

مراقبون توقفوا طويلا عند مقاومة البيوت السياسية المحلية في المدن والبلدات المسيحية لهجوم الثنائي المسيحي

هذا المسلك الذي انتهجه المستقبل ساهم بشكل كبير في تآكل رصيده الشعبي في الأوساط السنية، في مقابل سطوع نجم قوى وشخصيات أخرى في مقدمتها وزير العدل المستقيل أشرف ريفي الذي تبنى على مدار السنتين الأخيرتين نهجا مخالفا تماما عبر تصعيده الخطاب مع حزب الله ورفض منطق “ربط نزاع” معه.

ويظهر ذلك بشكل جلي في تقديمه استقالته من وزارة العدل على خلفية القرار القضائي المخفف لصالح الوزير الأسبق ميشال سماحة الموالي للنظام السوري والمتورط في محاولة تنفيذ عمليات إرهابية داخل لبنان عقب تفجر الأزمة السورية.

ولم يقتصر تصعيد ريفي على ذلك حيث أعلن رفضه الشديد لوصول فرنجية إلى منصب الرئاسة وشن حملة كلامية ضد هذا الخيار.

هذه المواقف المتلاحقة لريفي دفعت آلاف السنة إلى الاصطفاف خلفه ومكافأته في طرابلس بالانتصار للائحته “قرار طرابلس”.

ويرى متابعون أن على المستقبل أن يعيد النظر في سياساته، وأن يعمل على توحيد الصف السني حتى يكون قادرا فعليا على مواجهة التحديات القائمة، لأن التشرذم لن يصب سوى في صالح حزب الله الذي يبدو أقل الخاسرين في الانتخابات التي حصلت.

ودعا أشرف ريفي الاثنين، في مؤتمر صحافي، إلى العودة إلى إطار 14 آذار 2005، وقال “أمد يدي للحريري وخلافي معه على نقاط سياسية أكبرها ترشيح فرنجية للرئاسة”.

وأوضح في المؤتمر الذي أهدى فيه انتصاره “إلى روح الشهيد رفيق الحريري” “أنا كنت واضحا منذ البداية، يوم تم ترشيح سليمان فرنجية من قبل الرئيس الحريري أنا اعترضت وما زلت معترضا على ذلك، وكذلك اعترضت على ترشيح جعجع لعون وعندي نفس الاعتراض للمرشحين، لأن ذلك يتعارض مع ثوابتنا السياسية. لا إجماع على سليمان فرنجية في طرابلس وترشيحه خطأ وأنا أقول لكم لن يصل سليمان فرنجية”.

وتوجه ريفي بالكلام إلى حزب الله قائلا “أنت كمشروع إيراني فارسي سأبقى أقاتلك سياسيا وحضاريا وإعلاميا. لن نسمح للبنان بأن يصبح إيرانيا ولن أستسلم ولن أعطي تكليفا شرعيا لذلك”.

إفرازات الانتخابات البلدية لم تقف فقط على عتبة البيت السني بل طالت أيضا الساحة المسيحية، وتوقف المراقبون طويلا عند مقاومة البيوت السياسية المحلية في المدن والبلدات المسيحية لهجوم الثنائي المسيحي المتمثل في تحالف حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع والتيار الوطني الحر بقيادة ميشال عون، والذي لطالما رفع شعار تمثيله لـ 85 بالمئة من المسيحيين.

ورغم تحقيق الثنائي المسيحي تقدماً ملحوظاً داخل الجمهور المسيحي، فإنه فشل في إسقاط اللائحة المدعومة من الوزير بطرس حرب في بلدة تنورين، وفشل أمام اللائحة المدعومة من تحالف النائب هادي حبيش والنائب السابق مخايل ضاهر في القبيات، ناهيك عن فوز مخاتير مناوئين للنائبة ستريدا جعجع في بشري، كما في بلدات وقرى أخرى، فيما استطاع التحالف بين سليمان فرنجية، زعيم تيار المردة والمرشح الرئاسي، وميشال معوض في زغرتا حماية المنطقة من أي اختراق للأحزاب المسيحية.

ويرى متابعون أن ما حققه الثنائي لم يكن يرقى بأي شكل إلى الطموحات التي علق عليها زعيم القوات سمير جعجع آماله.

وكان جعجع قد دخل في تحالف مع رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون، على أمل تحقيق جملة من المكاسب من بينها سحب البساط من مبادرة الحريري تجاه دعم فرنجية لرئاسة الجمهورية، وأيضا فتح المجال أمام خلافة عون لزعامة الطائفة المسيحية مستقبلا، وأخيرا وليس آخرا إمكانية إحداث شرخ بين الأخير وحزب الله.

ولكن مراقبين يرون أن الذي حدث خاصة على مستوى الهدف الأخير هو العكس تماما فخطوة جعجع ساهمت بشكل كبير في ضرب وحدة 14 آذار وإضاعة البوصلة التي شكل من أجلها هذا التحالف وهي استعادة الدولة من يد الحزب ومن خلفه إيران.

2