اختلال الثقافة ومفهوم المواطنة

الأحد 2016/10/09

بروز الحاجة الى تعزيز التعددية الثقافية التي صارت شعارا صاخبا للنسق الديمقراطي العالمي، تفككت المجتمعات شذرات ، وبدل ان نتجه الى حوار الثقافات الوطنية وتماسكها، سقطنا عمليا في صدام الثقافات المحلية وتنازعها ؛ فهناك لغة مخادعة ومفرغة من معانيها، يستخدمها الساسة كالمناداة بالتعددية وقبول المختلف الذي بشرت به الديمقراطية؛ فإذا بالخطاب المائع يكشف عن احتقانات مموهة تعني إقصاء مجمل الثقافات الوطنية والإبقاء على ثقافة فئة او طائفة واحدة تتسيد المشهد وتمارس قمعا للحريات وتحجيما للثقافة والفنون وأدى كل ذلك الإقصاء إلى تراجع في التعليم وارتباك في مفهوم الهوية الوطنية وتدميرا لمفهوم المواطنة مما أفسح المجال لصعود الهويات الثانوية من طائفية ودينية وعرقية .

وأفرز هذا التحول الدراماتيكي ترديا مريعا للأوضاع المجتمعية والقيمية والثقافية ، ويبدو ان ليس من أمل لتخطي هذا الإنحدار ؛ فالفئات الواعية المطالبة بإعلاء مفهوم المواطنة لاتملك الأدوات التي تسيطر بها القوى المهيمنة على المجتمع بل ان تلك القوى مستهدفة من قبل السلطة ومدعي الفضيلة .

منذ عقود جرى العمل الدؤوب على تجهيل المجتمعات العربية بتعاون مقصود أو عرضي بين الحكّام المستبدين المزمنين والقوى المتشددة ، وحصل نوع من المهادنة بإطلاق الحملات الايمانية تزلفاً للجماعات المتشددة والسلفية وكسبا لولائها، وطال التجهيل مناهج التربية والتعليم وتراجعت مستويات الجامعات ومتخرجيها، فضلاً عن اندراج مجموعات كبيرة من قادة الثقافة العربية والعراقية في المشروع السياسي الرسمي ومحاولتهم تجميل خطايا الانظمة الشمولية مقابل أموال تلقمهم حجر الصمت إزاء تردّي أوضاع المجتمعات وتهاوي البنى الاقتصادية والثقافية والتعليمية .

حشدٌ كبير من مثقفي المهرجانات المزمنين وأدباء المؤتمرات المؤبدين باتوا يموّهون الجذام الثقافي بأقنعة البيانات الرنانة، وهم في حقيقة مواقفهم يعملون على نخر بنية الثقافة بتواطؤاتهم مع الأنظمة المستبدة والتعاون مع رأس المال المشبوه بشروطه ومحدداته ليهيمن عبر سلطة المثقف ونجوميته على مقدرات الثقافة والمجتمع ويجعلها رهينة سياساته ونظرته المتشددة للحياة الإنسانية وتفاصيلها اليومية ، ويساند تحلل الهويات الوطنية وتشرذم المثقفين من خلال إدامة الخواء الثقافي واستحالة تبني هوية مركبة من انتماء رئيسي وانتماءات فرعية كامنة ترضي التشوقات الشخصية للحصول على مكانة معينة وسط فوضى العالم .

إن امتلاك هوية مركبة يمثل السبيل الوحيد لمجابهة التشدد والتناحر المجتمعي ؛ فكون المرء مسيحيا او مسلما او مندائيا وينتمي لقومية معينة كأن يكون عربيا او كرديا او تركمانيا لن يكون إنتماء مؤذياً عندما تكون المواطنة هي العنصر اللاصق لجملة الانتماءات الثانوية ، كما هو الشأن في الولايات المتحدة وكندا ؛ فهناك لا يقال هذا ايرلندي او ألماني او فرنسي او عربي بل هو أمريكي بهوية فرعية ، و.يتطلب تعزيز الوعي بالهوية المركبة مناهج تعليمية متجددة واعلاماً حراً و جهد المثقفين وادارات التعليم والمؤسسات الثقافية المستقلة.

إنه لمحض تصور يوتوبي الحديث عن امكانات التمسك بالهوية الوطنية ومفهوم المواطنة إزاء عجز منتجي الثقافة المتنورين من الوصول الى المتلقين ؛ فوسائل الإعلام وكثير من وسائل النشر خاضعة للأنظمة الحاكمة او المتعاونين معها بينما يهيمن المتشددون والطائفيون على معظم الفضائيات والنوادي الثقافية والمؤسسات النشطة الممولة من الحكومات بأموال الشعب وهي التي تتيح للأصوات المتطرفة الوصول للمتلقين ونشر ثقافة الترهيب والتحريم وتكفير المختلف وحينها لن تنجح قصة او رواية او قصيدة او معرض فني او حفل موسيقى في إحداث تغيير منظور ؛ فهي وسائل ذات جمهور محدود مقارنة بالفضائيات المهيمنة على امزجة الجموع وتوجيهها الوجهة التي تريد.

كاتبة من العراق

11