اختيار المطلّق للزوج الجديد تعبير عن غيرة شديدة أو أنانية

الأحد 2013/10/27
وجود الأبناء يكره المطلقة على قبول وصاية شكلية لمطلقها

القاهرة - قد يلجأ بعض الأزواج تحت وطأة ظروف اجتماعية قاسية للقيام بدور "الخاطبة"، ولعل أغرب ما في الأمر أنهم خلال لحظات حرجة قد يضطرون إلى البحث عن أزواج آخرين لزوجاتهم!! كحادث الطلاق لثالث مرة، والذي يعد السبب الأشهر، خاصة إذا ما دفع ذلك الزوج إلى الندم لاتخاذ جميع التدابير والمحاولات لتدارك تلك الكبوة الزوجية، حتى يعيد الحياة في أوصال أسرته مرة أخرى.. لكن، كيف يقبل الرجل مثل هذا الدور؟ وما هي ردود أفعال المجتمع من تلك القضية؟ وهل يمكن أن تعود الحياة بينهما كسابق عهدها؟!

يروي الموظف "س . م" قصة صديقه: عندما طلق زوجته للمرة الثالثة، فأصبحت لا تحل له إلا بعد أن تتزوج من آخر، صارحني صديقي بطلاق زوجته للمرة الثالثة، وأصبح مجبرا أن يبحث لها سرا عمن يراه مناسبا، وتتوافر فيه شروط خاصة، لتتزوجه وبالفعل تحول صديقي إلى مجرد خاطبة لزوجته، واستعرض معي ومعها ثلاثة أسماء لرجال، كي يختار أحدهم زوجا أو محللا لأم أبنائه، وكانت المفاجأة عندما اختاره، وكان شخصا معدما لا حول له ولا قوة، ليكون تحت السيطرة، ويوافق على الطلاق ليردها لعصمته مرة أخرى!

ويعلق ناصر. م مدرس على هذا الأمر قائلا: "أعتبر مثل هذه الحالات نماذج صارخة، يغتال فيها الرجل رجولته وأسرته، ويصدر خلالها حكما بالإعدام المؤقت على حياته الزوجية، فمن منا يتصور أن يوافق بملء إرادته وبكامل قواه العقلية على أن يبحث عن زوج لمن كانت زوجته، والأغرب من ذلك أن يرجوه ليفعل ذلك ويعتبرها خدمة العمر وجميلا يطوق عنقه.


اندلاع المشاكل


حالات أخرى خرجت عن القاعدة السابقة، نتعرف على إحداها من كلمات رجل، رفض ذكر اسمه، وروى حكايته قائلا: بعد قصة حب ملتهبة جمعت بين أخي وابنة عمنا في مدينتنا القريبة من القاهرة، وباركنا جميعا هذه الزيجة، التي مرت شهورها الأولى وكأنها أيام، لنفاجأ بعدها باندلاع المشكلات بينهما، التي أطفأ نيرانها نبأ حملها وانتظارهما المولود الأول، الذي جاء إلى الدنيا وسط علاقات لا تنم مطلقا عن وجود حب بين طرفيها، وكان يوم الولادة سعيدا وبعده تفجرت المشكلات مرة أخرى، وسلم الجميع أن هذه الزيجة مصيرها الفشل، رغم أن أساسها الحب، وحاول أبي رحمه الله للمرة الأخيرة أن ينصحهما ليجتازا محن حياتهما الزوجية بلا جدوى، ولم يكن هناك بديل للطلاق.

وبرغم حمل زوجة أخي بطفلتها التي جاءت إلى الدنيا وأبواها منفصلان.. وبمرور الأيام سافر أخي للعمل بالقاهرة مهندسا بإحدى شركات الكمبيوتر، واشترى شقة هناك وانهمك في عمله ليل نهار لتوفير المال اللازم، لتأمين مستقبل طفليه اللذين تركهما في حضانة أمهما، التي ضغطت عليها أختها الكبرى ثم أخواها كي تتزوج، فأرسلت إلى أخي لأخبره بذلك، فعاد بسرعة واجتمعنا مع أبناء عمي واتفقنا على حلين لا ثالث لهما، إما أن تتزوج مطلقة أخي وتترك حضانة طفليها له وهو ما كانت ترفضه بشدة، وأما الحل الثاني فكان غريبا وشاذا وهو ما أثار دهشة الجميع ووافقت عليه أم ابنيه، وتفتق عنه ذهن أخي بحيث لا تتزوج إلا ممن يختاره زوجا لها أو تختاره هي ويوافق عليه، وفي هذه الحالة يترك لها حضانة الطفلين واتفقنا على ذلك.

وبمرور الأيام فوجئت بأخي يقوم بترشيحي للزواج منها، بعدما توفيت زوجتي وهي تضع مولودها الثاني، والغريب أنه ظل يلح علي في ذلك وأخبرني أنه في هذه الحالة فقط ربما يقرر الزواج ليعيش بعيدا عنا بالقاهرة، بعد أن يطمئن على معيشة طفليه مع طفلي يتيم الأم، وأنني لست غريبا وسأخاف عليها لأنها من لحمي ودمي، ووجدت أن الأمر محرجا، وفوجئت به يخبرني أن إخوتها يوافقون على زواجي منها، وأنها أيضا موافقة، ونحن الآن في المرحلة النهائية لإتمام هذه الزيجة.


الانفصال "المهذّب"


عالمنا هذه الأيام لا يتسع للمثاليات أو التضحيات، التي يروي لنا أحد نماذجها يوسف عبدالرحمن "مهندس كهرباء"قائلا: قررت زوجة أحد جيراني أن يقوم زوجها بدور الخاطبة لها، فبعد زواجه من زميلته في العمل عقب إعجاب وحب شديدين أتمته الأقدار بزواج سعيد، وترقبنا جميعا أن يثمر زواجهما أطفالا، لكن إرادة الله كان لها القول الفصل حينما اكتشف هذا الرجل بعد رحلة ومعاناة بين الأطباء أنه لن يستطيع الإنجاب إلى الأبد، بينما زوجته ومحبوبته خالية من العيوب، فقرر شيئا آخر واجه به زوجته، التي تمسكت به رغم أنه فاجأها بقرار الطلاق، لتتمكن من الزواج بآخر لتحقيق حلم وغريزة الأمومة بداخلها، فأعلنت رفضها المطلق لهذه الفكرة، وبعد إلحاح وافقت على مضض، بشرط أن يختار لها من يراه صالحا ومناسبا، فهو أقدر الناس على ذلك وتثق فيه طوال عمرها، وتحول زوج الأمس إلى "خاطبة" لمن كانت ذات يوم زوجته.

وعن ردود أفعال الناس تجاه هذه الحالات، يقول عماد أدهم، طالب بكلية الآداب: إن هذا شيء غير مستبعد مادامت به مصلحة للأبناء أو للزوج السابق، أو يتم ذلك في إطار معين من الانفصال المهذب، ولماذا إذا رأينا زوجا أجنبيا بأحد الأفلام أو المسلسلات الأميركية أو الأوروبية يفعل ذلك نعجب به ونؤكد أنه رجل لديه وعي؟ وكما اعتدنا جميعا، فنحن دائما نحتكم لمشاعرنا ولا نتخيل الحل الوسط بين الانفصال التام أو الوئام، فربما يتحول فرقاء الأمس إلى أشخاص بينهم علاقات لكن في حدود معينـة.

على النقيض من ذلك تنفي شيماء علام "موظفة وزوجة شابة"، وجود مثل هذه الحالات ولا تتخيلها؛ لأنها تؤمن بأن الطلاق مهما كانت طريقته فهو نهاية المطاف للعلاقات بين أي زوجين، وحتي لو كان بينهما أبناء؛ لأنه ليس مسوغا لمن كان زوجا أن يتدخل في حياة مطلقته، ويصبح وصيا عليها حتى لو كان ذلك بإرادتها؛ لأنها بذلك تتحول إلى مجرد زوجة غير رسمية وألعوبة في يد من كان زوجها.

ويفسر الدكتور إمام عبدالعزيز، أستاذ علم النفس بجامعة الزقازيق، هذه الحالات قائلا: هناك حالات إنسانية معينة، يصبح أمام المطلقين اختيار واحد، تفرضه مجموعة ضغوط نفسية مبنية على عادات وتقاليد معينة وقوة نفسية الرجل، وأهم هذه الضغوط التي تلعب دورا مهما في إكراه الزوجة على تقبل وصاية شكلية لمطلقها، وجود أبناء بينهما، وثانيهما عادات وتقاليد معينة تخلق لديهما مناخا نفسيا، وتجعلهما يتقبلان وضعا شاذا يصبح بموجبه المطلق أو زوج الأمس مرجعا وله رأي في اختيار زوج المستقبل لمطلقته، وهذه الحالات التي تجسد هذه الظاهرة أساسها الحقيقي إكراه نفسي بشكل هادئ، بسبب وجود مجموعة حاجات إنسانية داخلية لا تنتهي بمجرد حدوث الطلاق، لكن ما لا يمكن تصوره من الناحية النفسية، عدم حدوث تقارب على المستوى الإنساني بين هذين المطلقتين، لذلك نرى أن اختيار المطلق لزوج جديد هو تعبير مادي لرغبة لا شعورية ودفينة في استعادة ما ضاع، أو ربما تعبير قوي عن غيرة شديدة أو أنانية أشد قد تتحول إلى شيزوفرينيا بسيطة، ومع ذلك فقد أصبحت الشخصية العربية مهيأة هذه الأيام لتقبل متغيرات معينة بفعل التغييرات الاجتماعية والنفسية التي تمر بمجتمعاتنا.

ويلتقط الدكتور مهدي القصاص، أستاذ علم الاجتماع، طرف الحديث مؤكدا: إن العلاقة الزوجية من الناحية الاجتماعية لا تنتهي في حالات معينة بمجرد الطلاق، وذلك إذا كانت هناك روابط اجتماعية سواء كانت مادية أو معنوية، لا يمكن أن توضع لها نهاية كوجود الأبناء، وكل ما يحدث هو وجود مجموعة احترازات اجتماعية وتدابير ذات صلة وثيقة بعاداتنا وتقاليدنا وثوابتنا الدينية العربية، منها سيادة الثقافة الذكورية التي تعطي للزوج السابق الحق في التدخل لاختيار زوج أو المشاركة في ذلك فيما يتعلق بمطلقته، وذلك مثلما يحدث في حالات حدوث الطلاق لثالث مرة بين الزوجين، ويقتصر خلالها دور الزوجة على مجرد تهيئة نفسها لزوج مؤقت، حتى تعود إلى عصمة زوجها الأول، وتعتبر أن تمسكها باختيار هذا المحلل نوع من الخروج على عادة اجتماعية معينة، فتؤثر الصمت وتترك مصيرها في يد زوجها السابق مادام هو الأساس والباقي لها.

21