اخدعينا يا صغيرتي

الأحد 2015/05/24

في إسطنبول سيخبرونك عن الانتشار الكبير للمتسولين السوريين في الشوارع، من الطبيعي أن تشعر بقلبك يغوص في صدرك، شعور الحرقة أيضا طبيعي. لا داعي للقلق أو استشارة الطبيب، ردة فعلك سليمة وضمن الحدّ الطبيعي، بل الأدنى في السلم الإنساني، فكيف إذا كنت سوريا؟

كان يا ما كان، كان الشعب السوري يوما الأكثر اعتزازا بنفسه، كما كان الإخوة والأشقاء العرب يقولون، اعتزاز قد يصل إلى درجة الصلافة، كان ثمة -على هذا المستوى البسيط، وثلاثة خطوط تحتها- بقايا من الشخصية السورية لم تمحها بالكامل الخمسون عاما العجاف الأخيرة؛ النُدُل في سوريا مثلا، هم الأكثر نزقا، المرأة التي تنظف البيوت قد ترفض قبول ملابس لا يحتاجها أصحاب بيت تعمل به، لأنها ليست على الموضة، إذا أعطيت سيجارة لبواب عمارة في مصر سيعاملك كأمير، أما في سوريا فلا تستغرب أن يقول لك “شو مفكر حالك ملكتنا بهالسيجارة خيو؟”. لكن سوريا التي مشت على الجلجلة في سبيل الحرية والكرامة، وارتقى إلى الشهادة الآلاف من أبنائها -128329شهيدا موثقا حتى منتصف أبريل، وطبعا العدد الحقيقي أكبر بكثير- شرّد وهجّر الملايين من أبنائها أيضا، هذا عدا المعتقلين والمخطوفين والأيتام والأرامل والمعاقين. فهل ما زال ممكنا الحديث عن بقايا من بقايا الشخصية السورية؟ تغيّرات هائلة في مدة قياسية تصلح لدخول موسوعة غينيس.

القصص المرعبة عن أوضاع اللاجئين ليست موضوع مقالي هذا، وبالطبع أعرف أمر الأطفال السوريين الذين يستجدون في شوارع دول اللجوء، وخصوصا في إسطنبول. لكن الحظ كان حليفي لأكثر من أسبوع ولم أصادف أيّا منهم، رغم أني لم أكن أتجنب مباهج إسطنبول، أماكنها السياحية والتاريخية، ومع ذلك لم أصادف أحدا. بدأت أشعر بدغدغة صغيرة في قلبي، يبالغون ويتقوّلون علينا، ها هي الشوارع تمتدّ بكامل حريتها واتساعها وازدحامها، ولا أثر لمتسوّل سوريّ، ثم ليس كل متسول يدّعي أنه سوريّ هو فعلا كذلك، كما أخبرني أصدقاء لاحقا بناء على تجارب شخصية عن حالات ادّعاء متسولين للجنسية السورية المنكوبة بغية استعطاف المارة، ليتبيّن أن لا علاقة لهم بسوريا من قريب أو بعيد إلا بالبؤس. بعضهم من غجر رومانيا أو من أيّ بلد آخر، أو حتى من مناطق أخرى في تركيا نفسها، من الطامعين بوظيفة “شحاذ سوريّ في إسطنبول”.

تفاؤلي لم يعمر طويلا، أمام جامع السلطان أحمد تبدّل المشهد، لا يعدم الأمر هناك أن تصادف شابا تركيا يتحدث بإنكليزية سيئة؛ محض فضول أو لديه أغراض أخرى، أو يتكسب من عرض خدماته على السياح، ورغم تحفظي المعتاد، أجبت من سوريا حين سألني عن بلدي في افتتاحية لحديث. فردّ السائل: “تعاليْ أُرِكِ أهل بلدك”. واصطحبني إلى باحة المسجد، هناك كانت مجموعة من النسوة يقفن قرب المدخل مستعطفات الداخل والخارج. اقترب الشاب من إحداهن ولكزها بمرفقه بقلة أدب، فصرخت أنا في وجهه “هيه! أنت! ماذا تفعل؟ لماذا تتصرف مع السيدة بهذه الطريقة؟”

وشددت متقصدة على كلمة “سيدة”، ضحك الشاب باستخفاف، وهو يقول “سيدة! وتتسوّل؟؟ لا داعي هنا لذكر الحديث الذي جرى بيني وبينهن، ليس الملسوع كالمرتاح، ولا أنا من يعظ الضحية، ولا هيئة مساعدة اللاجئين السوريين قادرة على القيام بكامل الحمل الثقيل، ولا العيش في مخيمات اللجوء جنة، ولا كل لاجئ سوري قادرا على امتصاص جراحه وأهواله، أو يمتلك مؤهلات مادية أو مهنية تتيح له اجتراح بداية جديدة في أرض غريبة. ولا كل امرأة سورية تمتلك صلابة الخنساء، أو لديها الحد الأدنى مما يؤهلها لدخول سوق العمل، ومن ضمنها طبعا المعرفة باللغة التركية. خرجت من المكان بقلب ثقيل وجيوب شبه خالية.
تخطيط: ساي سرحان

لم تكن إلا بضعة أمتار أخرى خارج أسوار الجامع حتى رأيتها، فتاة نحيلة لم تتجاوز العاشرة من العمر، بيضاء شاحبة بعينين زرقاوين حزينتين بقدر صفائهما، غطاء رأسها أبيض، نظيف ومحكم. اقتربت مني، عرفت بعينيها الذكيتين أنني مثلها سورية، كان بها نقاء يثير فيك غضبا مؤلما، يحرك فيك رغبة أمومة/ أبوية في الحماية، لكنه لا يهادن، ولا يترك لك فرصة الاستمتاع ببطولتك المزعومة، نقاء يذهب فورا إلى مكمن عجزك فلا يعود ثمة مكان للوهم. كل ما طلبته مني هو أن أشتري لها كوزا من الذرة المشوية من البائع الواقف بالجوار. لكن الطفلة الجائعة، قبل أن تأخذ قضمتها الأولى من الكوز قدمته لي كمضيفة لبقة قائلة “تفضلي”. صوتي ونظرتي المعتذرة الخجولة، شجعاها على الحديث. سألت الصغيرة، واسمها فاطمة، عن أهلها، الجواب كما هو متوقع: لجوء من المرّ؛ أم، إخوة صغار، وأب غائب- مغيب بالموت السوري العظيم. طبعا لا مدرسة، ولا هم يحزنون. لكن فاطمة كانت تريد شيئا آخر! ليس نقودا، وإنما علبة حليب خاص للأطفال من أجل أخيها الصغير. أكيد أن لا قلب لي سيطاوعني على الرفض، وذهبنا معا إلى الصيدلية القريبة لنشتري علبة الحليب التي اختارتها بعين أم خبيرة. حين حملت العلبة، قلت لها “فاطمة، سأزعل منك جدا لو بعد أن أدرت ظهري أرجعت العلبة وأخذت ثمنها”. طلبت منها أن تعود إلى البيت قبل أن يتأخر الوقت ويهبط الليل. وكمحكوم مغلوب على أمره كان ردّها “لا أستطيع، يجب أن أجمع إيجار البيت”. عانقت فاطمة وأنا أكاد لا أقوى على متابعة طريقي وكأنني من بلد آخر غير بلدها.

لم أكن أنا قائلة هذه العبارة، بل فاطمة “انتبهي على حالك خالتو، هون في كتير ناس ما كويسين”. دموعي تسيل، ولا تغسل شيئا. أي معنى لنصائحي لها بالعودة إلى البيت الآن؟ بالالتحاق بالمدرسة؟ بالحذر من ذئب ما يتظاهر بعرض مساعدته؟ أو، أو،…؟

كنت أتضاءل أمام الطفلة التي أصبحت أكبر مني، أتضاءل حتى أكاد أختفي. ليس الطفل الناجي من الموت بالغاز بناج فعلا، ولا الناجي من مطر البراميل أفضل حالا، ولا من خرج من تحت أنقاض بيته حيا سيزهر غدا كوردة في حقل مع الربيع.

يا أهل سوريا! أطفالكم. أطفالكم يا أهل سوريا غيّروا أسماءهم، موّهوا وجوههم، خبئوهم في الأقبية، وفي غرف المؤونة الرطبة، لفوهم بأوراق جريدة تشرين، وكتب التربية والوطنية، أدخلوهم في الخوابي الكبيرة، وامنعوهم من التنفس، اكتموا ضحكاتهم، احجبوا لمعان أعينهم كي لا تضيء في الليل، هربوهم عبر الأزقة والسراديب، أرسلوهم إلى البراري، اتركوهم في عهدة الذئاب، اصنعوا طوّافات وارموهم فوقها في اليمّ، في النهر، في الشلال، دسوهم بين بيض التماسيح، أو في كهوف الضباع. أطفالكم ممنوعون في هذه الأرض مثل المناشير السرية، مثل بندقية عند المداهمة، مثل كيس كبير مليء بالبودرة البيضاء في مطارات العالم.

كم فاطمة تعرفون؟ كم فاطمة يعرف التاريخ؟ أنا نسيتهن جميعا، إلا واحدة، أميرة مسحورة، تتسوّل حليبا لأخيها الصغير.. يخرس العالم وهو يرى حزن عينيها اللتين -للأسف- رأتا الكثير.

اخدعيني يا صغيرتي، أرجعي علبة الحليب، واشتري بثمنها ما شئت. اخدعي المزيد من السياح الذين سيعودون بعد الإجازة إلى منازلهم الآمنة. اخدعي مزيدا من السوريين المتسكعين مثلي في المدينة الجميلة، اخدعيهم بقدر ما استطعت. المخدوعون الذين ظنوا أن صك البراءة هو أن لا يتلوثوا بالدم السوري والمال السوري، وأن ينأوا بأنفسهم عن المرحلة الجديدة في لعبة الكراسي، المتفرجون الأنقياء. نعم يا صغيرتي “في كتير ناس ما كويسين”.

خدعناك بصمتنا الطويل، بتنصلنا، بجبننا، بانعدام مسؤوليتنا وحسّنا الجمعي. خدعناك، ونلوم العالم. اخدعينا فما ضاع منك لا يستعاد أبدا، أبدا.

شاعرة من سوريا مقيمة في لندن

11