"اخرس": قصة حب رومانسية في زمن مستقبلي مليء بالعنف

المخرج دونكان جونز يقدم في الفيلم مزيجا من الحركة والعنف والجريمة والرومانسية والخيال العلمي ببناء درامي محكم، رغم بساطة الأحداث
الاثنين 2018/03/12
قصة حب مأساوية

في فيلم “اخرس” للمخرج دونكان جونز (إنتاج 2018)، وهو إنكليزي الأصل أنجز من قبل خمسة أفلام روائية طويلة، أقحم  جماليات المكان والضوء واللون والمناظر وزوايا التصوير، وما يحققه الغرافيك والخدع السينمائية من معطيات إضافية.
وحشد المخرج الإنكليزي ومعه كاتب السيناريو ميكائيل جونسون جماليات المكان لصنع خيال علمي على درجة عالية من الدهشة والإبهار، وكل ذلك في إطار شخصيات تعيش في زمن مستقبلي مجهول، حيث تعود إلى الأذهان صورة برلين مقفلة على ناسها وكأنها في حقبة نازية.
لكن كل تلك المعطيات لم يجر التعمّق بها لدرجة أن تشعر المشاهد بالاغتراب عن تلك الأجواء الفيلمية، بل تم الحفر عميقا في الدراما الفيلمية عمّا هو واقعي، حيث المدينة الصاخبة التي تملؤها الشاشات الإعلانية العملاقة تعج بالمواخير والنوادي الليلية والشواذ، فضلا عن الشرطة العسكرية الأميركية.
وفي وسط هذا تبرز شخصية ليو (الممثل إليكساندر سكارزغارد) الذي فقد قدرته على النطق مع المشاهد الأولى من الفيلم بسبب حادث أثناء السباحة مع أسرته، ليعيش مع تلك العاهة لثلاثين عاما، بسبب أن أسرته تنتمي لأقلية دينية تمنع إجراء الجراحة بدعوى أنها مصيبة من الرب.
وليو النادل في أحد النوادي الليلية يجد نفسه وجها لوجه مع مافيات الجريمة هو وحبيبته نادرة (الممثلة الألمانية من أصول عراقية-مغربية سينيب صالح) وبسبب تكرار التحرش بها والدفاع عنها، يفقد ليو وظيفته، ثم ما تلبث نادرة أن تختفي نهائيا.

 

لا شك أن جماليات سينما الخيال العلمي هي محور أساسي يحضر بقوة عند التحليل النقدي لتلك السلسلة من الأفلام التي تنتمي لهذا النوع، ولعل الجماليات الفيلمية هي أحد أهم عناصر الجذب والانتشار والتأثير في جمهور المشاهدين، فضلا عن موضوع الانتقال عبر الزمن وفي الغالب إلى المستقبل

ويمضي ليو المساحة الأكبر من الزمن الفيلمي في البحث عن نادرة في كل مكان مع عجزه عن التفاهم، لكنه يخوض خلال ذلك سلسلة من المغامرات التي من خلالها يكتشف أن خصمه ليس إلاّ كاكتوس (الممثل باول رود)، وهو أميركي هارب من الجيش يعيش في ألمانيا لإجراء عمليات جراحية غير قانونية هو وصديقه الحميم دوك (الممثل جوستين ثيروكس).
وبالطبع هنالك الكثير من التفاصيل الجزئية التي أشبع بها الفيلم على صعيد القصة السينمائية، لكن الأمر المهم هو المهارة في بناء الشخصيات الدرامية حتى الوصول إلى الصراع الدامي بين ليو وكاكتوس الذي ينتهي بمقتل هذا الأخير بشكل شنيع.
وتم توظيف العشق المتغلغل في قرارة الروح الذي يكنه ليو لنادرة في إطار الحبكة الرئيسية وأحيانا تم استخدامه لتوليد حبكات ثانوية، كانكشاف السر الذي طالما تحدّثت به نادرة مع ليو، وأنها لا تستحقه، وأنها تخفي سرا، ومنه أنها كانت قد أنجبت طفلة من علاقة سابقة مع كاكتوس، ما يدفع هذا الأخير لخطفها وقتلها خوفا من المطالبة بالطفلة. ومن جهة أخرى يشعر كاكتوس أن طفلته مهدّدة من قبل صديقه الحميم دوك بعدما يكتشف فيه ميوله البيدوفيلية.
وهذه الخطوط السردية المتداخلة جلبت للفيلم الكثير من الجدل في العديد من الصحف والمجلات العالمية، ومن ذلك تغطية صحف “الغارديان” و”فارايتي” و”هيولوود ريبورتر”، لكن تغطية مجلة “فوربس” هي الأفضل والأهم، إذ عرضت للجدل والانقسام الحاد الذي أثاره هذا الفيلم بين من يجد فيه قيمة فنية مميزة وبين من لا يعطيه تقييما جيدا يذكر.
وتنوعت العناصر التعبيرية وجماليات المكان في أغلب المناظر، لا سيما وأن أغلب الأحداث المهمة تقع ليلا، حيث الهامش الليلي لزبائن الليل يحمل معه الغرائبية بكل معانيها، مما يجعل المشاهد يعيش حقا في زمن مستقبلي، حيث العبث والعنف والمال والجنس، كلها تتداخل لتشكل مجتمعا معولما من أجناس شتى.
وهنا تحضر لمحات سريعة ملفتة للنظر، كمثل تحوّل ألمانيا في زمن ما إلى حدود مغلقة، وسعي كاكتوس لاستعمال أوراق مزوّرة للخروج منها هو وابنته، وأن قصة أفغانستان لا تزال قائمة، فضلا عن إعلانات مستمرة عن جنود أميركا هاربين من الخدمة.
وفي موازاة ذلك كان عرض الشخصيات ممّا يلفت النظر أيضا، نادرة ذات الشعر الأزرق وصبغة الشفاه الزرقاء، وليو الذي لم يغير بدلته وقميصه طيلة الأحداث، ممّا يذكّر بالطائفة التي ينتمي إليها، وكاكتوس بشنبه الضخم وقميص هاواي يعيدك إلى أميركا مطلع القرن الماضي، ودوك يذكّرنا بفرق “البيتلز” و”بوني أم” في سبعينات القرن الماضي، وهؤلاء الأربعة أبدعوا حقا في تجسيد شخصياتهم.
وبالطبع قدّم فيلم “اخرس” مزيجا من الحركة والعنف والجريمة والرومانسية والخيال العلمي كل هذا مع بناء درامي محكم، مع أن الأحداث في شكلها العام لا تخلو من البساطة، وهو الذي لم يعجب بعض النقاد بسبب التنوع الأسلوبي الذي انطوى عليه الفيلم.

16