اخفاء إيران الحقيقية عن أعين السائحين

يجابه السائح الغربي في إيران العديد من القيود من بينها تلك التي تتعلق بمنع المشروبات الكحولية وتلك التي تفرض على النساء تغطية الرأس والجسم كاملا. وفي الوقت ذاته تتوفر إيران على العديد من المقومات الطبيعية والتاريخية والثقافية التي تجعلها قادرة على جذب السياح. ويرجع البعض ارتفاع أعداد السياح في إيران إلى سياسة الانفتاح التي يتبعها الرئيس روحاني، فيما يتوجس بعض المحافظين على هويتهم من الثقافة الوافدة مع السياح.
الأربعاء 2017/05/31
اكتشاف ثقافة مختلفة محور جذب السائح الغربي لإيران

طهران – تجلب السياحة الكثير من المال وتنقل صورة جيدة عن إيران إلى بلاد الغرب بحسب قول محمد رضا زماني (36 عاما)، طالب في علم اللاهوت، سافر إلى بلاد الغرب كسائح وأيضا في مهمة لنقل صورة أفضل عن إيران.

وأضاف زماني أنه كان حريصا على ألا ينقل صورة زيه الديني، العمامة والعباءة، للزائرين لأنها صورة تبعث على القلق لدى الأجانب وخاصة في الدول الغربية لأنهم يجهلون تاريخها ويخافون ممن يرتدي ثيابا يبدو فيها محافظا، وأراد زماني أن يؤكد للغرب أنهم محل ترحيب وتبجيل في بلاده.

وتوجد لوحة إعلانات عند مدخل مدرسة تاريخية تحولت إلى متحف في مدينة أصفهان، العاصمة الإمبراطورية السابقة التي يطلق عليها الإيرانيون “نصف العالم”، وقد كتب عليها باللغة الإنكليزية “محادثات ودية مجانية”.

وأثناء فترة استراحته القصيرة يشرح زماني لمجموعة من السائحين الإيطاليين عادات وتقاليد الزواج والختان في إيران ويناقش المعتقدات الدينية الميلينية مع سائح من هولندا، مضيفا “أعتقد أن اللحظة التي يضعون فيها أقدامهم في إيران سيجدون أنها مختلفة تماما عما يتوقعونه، وأن الصورة التي رسموها في أذهانهم عن الناس ستتبدل بمجرد التحدث إليهم”.

وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد جازف بحكومته وسمعته من أجل فتح إيران على العالم وإقامة اتفاق نووي ينهي العقوبات ويضع حدا لعزلة إيران ولهروب المستثمرين الأجانب منها.

وفاز روحاني بفترة رئاسة ثانية بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية بنهاية الأسبوع الماضي، وكان فوزه دليلا على تأييد لسياسته من جانب فئة هامة من الشعب الإيراني. وبالنسبة إلى العديد من الإيرانيين، فإن الأعداد المتزايدة للأجانب المحملين بعصي السيلفي والمصحوبين بالكثير من الدلائل السياحية، تعد واحدة من أكثر علامات التغيير وضوحا في إيران في ظل حكم حسن روحاني.

التحدي الأكبر أمام رغبة إيران في زيادة السياح يكمن في نمط التغيير الذي يمكن أن يحدثه السائح في بلد محافظ

وقال مسعود محمديان، سائق شاحنة سابق وفر كل مدخراته هذا العام لفتح مقهى صغير يقدم الوجبات الخفيفة التقليدية قبالة الساحة الرئيسية في مدينة أصفهان، “أصفهان تعيش على السياحة وأنا سعيد بفوز روحاني الذي من شأنه أن يعزز انفتاح إيران واستقطابها للسياح”.

ويبدو التشجيع على السياحة في إيران مهمة صعبة إذ تكمن المشكلة الأولى في سمعة البلاد، التي ترتبط لدى الغرب بشكل لا ينفصل بصور تلفزيونية درامية لأزمة الرهائن في السفارة الأميركية في الفترة من عام 1979 إلى عام 1981، والفتوى الصادرة عام 1989 ضد سلمان رشدي عن كتابه “الآيات الشيطانية”.

وفي الآونة الأخيرة، فإن حملة القمع التي أعقبت انتخابات عام 2009 واعتقال شخصيات مثل جيسون رزايان من صحيفة “واشنطن بوست”، لم تفعل شيئا يذكر لتخفيف تلك الصورة بل زادتها سوادا.

ومن جانب آخر تعيق المبادئ الدينية والاجتماعية المحافظة والصارمة في البلاد، والتي يجب على الزوار مراعاتها عند تواجدهم في إيران، راحة السياح الغربيين.

هذا بجانب غياب وسائل الترفيه الليلية التي يحبذها السائح الأجنبي حيث لا توجد في إيران ما يسمى حياة ليلية، ويمنع تناول المشروبات الكحولية، ولا يمكن للرجال والنساء تبادل الأحضان واللمسات في الأماكن العامة في الشوارع الإيرانية.

ويجب أن تلتزم النساء على وجه الخصوص بقانون اللباس وارتداء الحجاب وتغطية الأذرع والساقين. جل هذه القيود المفروضة على المواطن الإيراني في الشارع الإيراني تفرض على السائح أيضا مراعاتها واتباعها مهما كانت جنسيته أو أصوله.

لكن بالنسبة إلى عشرات الآلاف من الناس الذين يقبلون على السياحة في إيران، فإن عوامل الجذب الإيرانية تفوق تلك القيود، كما أن إيران حاولت تشجيعهم بتخفيف الشروط المفروضة في إجراءات السفر.

ويمكن للأوروبيين من دول من بينها فرنسا وإيطاليا وألمانيا الذين يشكلون غالبية السياح الغربيين الوافدين على إيران الحصول على تأشيرات دخول في مطار طهران، كما هو الحال مع السياح الصينيين واليابانيين وغيرهم من دول أخرى.

وقال سيمونيتا مارفوجليا، وهو سائح إيطالي كان في طريقه لقضاء أسبوعين في إيران في حديث لصحيفة الغارديان البريطانية “قررت زيارة إيران في الوقت الذي رفعت فيه العقوبات، لقد قرأت الكثير من الشعر الإيراني، وأنا مهتم جدا بتاريخ تلك الدولة. أنا حقا سعيد جدا بزيارتي لها، فشعبها رائع ومضياف”.

القيود المفروضة على المواطن الإيراني في الشارع الإيراني تفرض على السائح أيضا مراعاتها واتباعها مهما كانت جنسيته أو أصوله

وتفتخر إيران بتراث ثقافي غني، من أنقاض “برسبوليس” القديمة إلى أصفهان والمدن التاريخية الأخرى مثل كاشان وتبريز وشيراز. ويمكن أيضا لعشاق الطعام الاستمتاع بمطبخ حاز على إعجاب الزوار وحظي بشهرة واسعة في بلاد الغرب.

وعلى الرغم من أن غالبية الزائرين هم من الطائفة الدينية الذين يأتون لزيارة الأضرحة الرئيسية، إلا أن هناك بازارات معبأة بالسجاد والمشغولات اليدوية التي تجذبهم مشاهدتها والتبضع منها. كما أن لإيران ميزات طبيعية تجعلها تحظى بجمال فريد يجمع بين الشواطئ والصحاري والجبال المغطاة بالثلوج.

وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة كبيرة في عدد السياح الغربيين إلى إيران. وشهدت أصفهان، جوهرة تاج التراث الإيراني وأكبر وجهة للسياح، زيارات سياحية تتكون من أكثر من 5 آلاف زائر شهريا في العام 2013، عندما فاز روحاني بالرئاسة.

وذكرت صحيفة “أصفهان اليوم” المحلية أن عدد السياح بلغ 85 ألفا شهريا بحلول ربيع عام 2017. وأثارت الزيادة في عدد السياح الدهشة لدرجة أن جميع غرف الفنادق في بعض ليالي موسم الذروة تكون محجوزة، وفقا لما ذكره موظف الاستقبال في فندق زينديرود الذي تم إنشاؤه حديثا. ويحتدم التنافس بين سلاسل الفنادق الأجنبية في الموسم السياحي رغم بقاء العقوبات الأميركية قائمة بعد رفع الحظر المفروض على الأسلحة النووية، مما ترك المجال واسعا أمام المجموعات الأوروبية وغيرها. وتستعد فنادق روتانا، التي تتخذ من دبي مقرا لها، لافتتاح فندق جديد في أصفهان على غرار سلسلة فنادق “أكور” الفرنسية.

وتدرس شركة الفنادق التراثية الإسبانية “بارادوريس” الفرص المتاحة في البلاد، والتي من ضمن فنادقها الشهيرة فندق كان يستقبل التجار الذين يجلبون البضائع والسلع لبيعها في السوق في القرن السادس عشر.

وقال محمد باكنهاد، وهو صاحب متجر في بازار أصفهان، “أنا غير راض عن ثقافة السياح فبعض النساء لا يغطين أجسادهن بشكل ملتزم ولائق”.

ويكمن التحدي الأكبر أمام رغبة إيران في زيادة أعداد السياح بعشرة أضعاف خلال السنوات العشر المقبلة في نمط التغيير الذي يمكن أن يحدثه السياح في بلد تمكن فيه المنافس المحافظ لروحاني من الحصول على 16 مليون صوت في الانتخابات الأخيرة.

12