ادفع كي تتعلم.. أبناء البسطاء في مصر خارج المدارس

ربط التعليم بالمال يقتل أحلام الكادحين في إنقاذ مستقبلهم من الفقر.
الثلاثاء 2021/09/28
تعليم للميسورين

تتعلق همّة البسطاء من المصريين بتعليم أبنائهم للحصول على شهادات ووظائف تنقذهم من الفقر والحاجة التي عاشوها طوال حياتهم. لكن هذا الحلم بدأ يتلاشى مع سياسة التقشّف التي انتهجتها الحكومة وتلزم المواطنين بوجوب دفع مصروفات الكتب قبل الاستفادة من التحصيل الدراسي بعد أن كانوا يدفعونها بالتقسيط المريح.

القاهرة - لم يعد التعليم في مصر مجانا كما أقرت الدساتير المتعاقبة منذ العام 1923، وجميعها صنفت التعليم الأولي بأنه إلزامي لجميع المواطنين، بنين وبنات، ومجاني في كل أنواع المدارس، ويشمل الكتب المدرسية والخدمات التربوية والأنشطة والامتحانات، لكن سياسة التقشف التي تنتهجها الحكومة ضربت هذه المفاهيم.

مازالت هناك ردود فعل ساخطة من جانب شريحة كبيرة في المجتمع على قرار وزارة التربية والتعليم الذي اتخذته قبل أيام من فتح المدارس الحكومية مع بدء العام الدراسي الجديد بربط دفع مصروفات الكتب بالاستفادة من التحصيل الدراسي، في إجراء يحدث للمرة الأولى في البلاد، حيث لم يسبق لأي حكومة أن اشترطت تسليم الكتب للطلاب بالمبالغ التي يدفعونها سنويا نظير المصروفات.

وأقر الدستور المصري المجانية، لكن الشعار الجديد الذي رفعته الحكومة اشترط “الدفع قبل التعلم”، في مؤشر يعكس أن المجانية بمفهومها الشامل لم تعد موجودة، ولا تعترف بها المؤسسات الرسمية وتحاول الالتفاف عليها بفرض مصروفات وأسعار للكتب مبالغ فيها أحيانا، باعتبار أن إلغاء هذا النص الدستور كليّا لن يكون سهلا.وكانت وزارة التعليم تسمح بدفع المصروفات على أقساط مريحة، بحيث لا يتم إرهاق الأسر البسيطة، ويحصل أولادها على حقهم في التعليم دون عناء، لكن هذه المرة صار مطلوبا من الأب أن يدفع أولا قبل أي شيء آخر، إذا أراد لأبنائه تعليما منتظما.

وتتعارض توجهات الحكومة باشتراط الدفع قبل التعليم، مع أحلام البعض من المواطنين، إذ أن شريحة كبيرة منهم تتعامل مع الاهتمام بتعليم الأبناء كمشروع للاستثمار وهو الوحيد المضمون بالنسبة إليهم وأبنائهم لأن تفوق الأولاد هو البوابة السحرية التي يهربون منها بعيدا عن البقاء في دوامة الفقر وقلة الحيلة طيلة حياتهم.

عبء مضاعف

التكنولوجيا تعوض الكتب
التكنولوجيا تعوض الكتب

ارتبط الاستثمار في التعليم بأن المصروفات كانت رمزية وتكلفة الكتب زهيدة، ولم تكن الأسرة تدفع مبالغ كبيرة نظير رعاية أولادها تعليميا، ومع اتجاه الحكومة لتحصيل أكبر قدر ممكن من جيوب أولياء الأمور في ظل انخفاض موازنة التعليم سنويا وعدم ملاءمتها مع الاحتياجات الواقعية أصبح التعليم عبئا مضاعفا على الأهالي.

وقبل سنوات قليلة كانت المصروفات الدراسية للابن الواحد لا تتجاوز الخمسين جنيها (نحو 3 دولارات) في بعض المدارس الرسمية في العام، واليوم صار هذا الرقم عشرة أضعاف، ومطلوب من الأسرة البسيطة التي لديها أربعة أو خمسة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة أن توفر الآلاف من الجنيهات، مع أن ذلك ليس بالأمر السهل في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها هذه الشريحة.

وعندما لجأت بعض الأسر إلى أسلوب تدوير الكتب المدرسية بأن تمنح العائلة التي لديها طفل صاعد للمرحلة الإعدادية مثلا كتبه في الابتدائية لأطفال يدرسون بنفس المرحلة كنوع من التكافل الاجتماعي بينهم، رفضت المدارس هذا الأسلوب واشترطت دفع مصاريف الكتب الحديثة كاملة.

كمال مغيث: التعامل مع التعليم كسلعة يقود إلى ارتفاع الأمية

وقال عبدالقادر عيسى، وهو أب يعيش في إحدى قرى ريف محافظة الغربية شمال القاهرة، إن أولاده الأربعة بحاجة إلى مبلغ يفوق قدرات أسرته البسيطة نظير الكتب والمصروفات المدرسية، وبعد أيام قليلة سوف يحتاجون إلى المزيد مع فتح باب التقديم لمجموعات التقوية المدرسية التي وفرتها الحكومة كبديلة عن الدروس الخصوصية التي تنهب جيوب الأهالي.

وأضاف الأب لـ”العرب” أن فاتورة التعليم لدى البسطاء صارت باهظة، وهناك من قرروا تسريح أولادهم في العمالة اليومية والحرف اليدوية لأن الدراسة أصبحت مكلفة وعائدها غير مجدِ لكثيرين في ظل هذه الظروف، فلا وظائف ولا فرص عمل خاصة مناسبة، ما جعل البعض يتساءلون: لماذا التعليم، هل بغرض الزواج؟ حتى لو كان بسبب ذلك، فالظروف المادية أقوى من أي شيء آخر.

ويخشى الرجل الذي يعمل بمهنة الزراعة أن يأتي اليوم الذي تضيع فيه قيمة التعليم عند الكثير من الأسر لتتخذ قرارات بمقاطعة المدارس لعدم قدرتها على توفير المتطلبات المادية، ولا ينكر أنه فكّر في ذلك، لكن زوجته أقنعته بالصبر والتحمل خشية أن يكون أولادهما موصومين مجتمعيا بسبب الجهل.

ومطلوب من رب الأسر البسيطة أن يدفع لابنه في المرحلة الابتدائية حوالي 300 جنيه، والإعدادية والثانوية ما يتجاوز 500 جنيه نظير الكتب فقط، وهناك مبالغ أخرى تقترب من هذه الأرقام للمصروفات والأنشطة، علاوة على قيمة الدروس اليومية، لأن الكثير من المعلمين لا يؤدون الرسالة التربوية بالشكل المطلوب لدفع الطلاب إلى الدروس الخصوصية وجني مكاسب مادية موازية.

بوادر قطيعة

Thumbnail

تبرر وزارة التعليم موقفها بأن الأموال التي يتم جمعها من الأهالي تساهم في الإنفاق على المدارس واحتياجاتها، ويتم تخصيص جزء منها لتقديم الخدمة ودونها ستواجه الحكومة أزمة، في ظل تهرب الكثير من أولياء الأمور من دفعها سنويا، وقت أن كانت لا تشترط الحكومة الدفع قبل تلقي الخدمة، ما أثر بشكل سلبي على المتحصلات المالية السنوية من المدارس.

وعندما سئل وزير التعليم المصري طارق شوقي في أحد البرامج التلفزيونية عن ربط تسليم الكتب بتحصيل الأموال من طالب وطالبة، برر بأن ميزاينة الوزارة لا تسمح بتحمل عدم التحصيل، وساق سببا عجيبا بأن نحو نصف عدد التلاميذ البالغ عددهم نحو 25 مليونا يتم إعفاؤهم من المصروفات الدراسية لدواع مختلفة.

المدارس ترفض أسلوب تدوير الأدوات المدرسية بأن يمنح الطفل الصاعد للإعدادية كتبه في الابتدائية لأطفال يدرسون بنفس المرحلة

ويخشى الخبراء أن تصل علاقة البسطاء مع التعليم إلى مرحلة القطيعة وترتفع نسبة التسرب بشكل يكرس الجهل الذي تعاني منه شريحة كبيرة، وهي المعضلة التي لا تدرك الحكومة تبعاتها وتأثيراتها على التنمية والوعي وبناء إنسان يتلاءم فكريا وثقافيا وتعليميا مع الجمهورية الجديدة التي يسعى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لبنائها.

وتعاني الحكومة من ارتفاع نسبة الأمية في المجتمع، لأنها تورث قناعات وتقاليد سلبية، مثل الزواج المبكر الذي يظل سببا رئيسيا في الانفجار السكاني الذي فشلت معه كل الحلول حتى الآن، كما يؤثر على الخطط التنموية التي تهدف الدولة منها لتحسين أحوال البسطاء في المجتمع ورفع منسوب الوعي لديهم وحمايتهم من التطرف.

وتتهم الأمية بأنها السبب في الميراث الثقافي السيء عند البسطاء تحديدا، مثل ختان الإناث وإباحة عمالة الأطفال وحرمان الفتيات من التعليم وضرب قيم التعايش والتسامح وخضوع الناس لأفكار المتشددين، وأمام عدم استطاعة بعض الأسر توفير متطلبات الأولاد نظير التعليم هناك مخاوف من زيادة معدلات الأمية التعليمية.

واعترفت الحكومة بأن ضعف قيمة التعليم عند الأهالي سبب رئيسي في الهجرة غير الشرعية وتعهدت بتقديم حزمة من الحوافز للأسر البسيطة في المناطق النائية والمحرومة، لكن المشكلة أن ما تقدمه باليد اليمنى تأخذه باليسرى، وأمام تفشي الغلاء وارتفاع الأسعار وندرة الموارد وارتفاع الضرائب باتت ظروف البسطاء أشد قسوة.

سلعة لها جمهورها

النوابغ تخرج من رحم الكادحين
النوابغ تخرج من رحم الكادحين

قال كمال مغيث الباحث والخبير التربوي المصري إن التعامل مع التعليم كسلعة لها جمهورها يقود إلى تداعيات سلبية خطيرة تؤثر سلبا على ارتفاع الأمية وتجعل هناك شريحة محرومة من هذه الخدمة التي أقرها الدستور، وفي القريب العاجل سوف تصل الطبقية المجتمعية لمرحلة خطيرة.

وأوضح لـ”العرب” أن وصول التعليم لمرحلة استهداف المقتدرين فقط، يكرس التمييز بين الأجيال الصاعدة، وينسف أي خطة تنموية تستهدف تحسين أحوال البسطاء، رغم كونهم الشريحة التي يجب أن تكون محل رعاية، لأن العديد من النوابغ العلمية تخرج من رحم الفئات الكادحة التي لا تتعامل مع التعليم بجدية.

ويعتقد متابعون أن الخطر يكمن في تعامل العديد من المدارس الحكومية بنفس عقلية نظيرتها الخاصة التي تنظر إلى التعليم من زاوية اقتصادية بحتة، وليست خدمة تربوية، وعندما يصل الأمر للتعاطي مع التعليم كعملية تجارية فمن الطبيعي أن تكون هناك شريحة لا تستطيع شراء السلعة، مع أن الفاتورة التي تتحملها الدولة نظير الجهل سوف تكون أكبر من تحملها التكلفة المجانية.

الدستور المصري أقر المجانية، لكن الشعار الجديد الذي رفعته الحكومة اشترط “الدفع قبل التعلم”، في مؤشر يعكس أن المجانية بمفهومها الشامل لم تعد موجودة

وإذا كان من المطلوب أن تشارك الأسر الحكومة في تحمل فاتورة التعليم لأن الظروف الاقتصادية لا تتيح لها تقديمه مجانا للجميع، فإن دفع الآلاف من الجنيهات مرة واحدة لا يتناسب مع ظروف شريحة كبيرة من الفقراء وصل بهم الحرمان من الحد الأدنى للرفاهيات لتوفير المال لأولادهم الملتحقين في المدارس.

وما يثير امتعاض الكثيرين أن وزارة التعليم فرضت على الأهالي دفع مصروفات كتب الثانوية العامة (البكالوريا)، رغم أن الحكومة أوقفت طباعة الكتب من الأساس، بعد استبدالها بأجهزة الحاسب الآلي (التابلت) الذي يتم توزيعه على الطلاب منذ عامين، أي أن ولي الأمر مطالب بدفع قيمة شيء لن يحصل عليه أو يستخدمه، وهو ما يكرس منطق الجباية عند البعض.

وتلعب الحكومة على وتر شغف البسطاء بتعليم أولادهم، مهما كانت الظروف، على أمل أن يجني هذا الاستثمار مستقبلا وظيفة راقية تنقل الأسرة إلى مستوى اجتماعي أعلى، ومهما بلغت تكلفة التعليم لن يتراجع الأهالي عن هذا الاستثمار، وتناست أن حالة الإحباط بين شريحة من الفقراء تتصاعد، وصارت نظرة التفاؤل شبه منعدمة.

ورأى مغيث أن التعويل على ثقافة استثمار البسطاء في التعليم، برفع تكلفة الخدمات التعليمية بشكل يفوق قدرات الفقراء على التحمل يقود إلى حالة من التمرد الأسري، ويتحول التعليم من المرتبة الأولى في الاهتمامات إلى مرحلة ثانوية، ويصبح الجهل بالوراثة هو السائد بدلا من التوعية بقيمة العلم، وتصبح الأمية ثقافة متجذرة.

20