اذبح من تريد له الازدهار

حين يكتب المؤرخون تاريخ الدجاج منذ نشأته سيقفون عند علامة بارزة في تاريخ هذا الطائر. تلك النقطة هي لحظة بيع أو مقايضة أول دجاجة، لغرض الأكل.
الثلاثاء 2018/07/17
منطق السوق

في التسعينات، وفي ذروة الاهتمام بالبيئة إلى حد الاستعداد للقتل والحرق دفاعا عن حياضها، وقعت أحداث عنيفة من النوع الذي لا يحدث بل ينشب. أصل الحكاية أن كاتبا إنكليزيا مشاكسا عابث جنود البيئة وكتب أنه بصدد زيارة أستراليا وذكر، بابتسامة ماكرة أنه حين يزور بلدا يتعمد أن يتذوق طعم الحيوانات التي تعيش في ذلك البلد. وقال إنه متشوق للتعرف على طعم دب الكوالا الأسترالي، الذي هو رمز أستراليا ومصدر عزتها.

هنا هب حماة البيئة والمدافعون عن الحيوان، أي حيوان حتى الأفاعي، وهددوا بحرق الكاتب أو الصحيفة التي ينشر فيها إذا لم يتيسر الكاتب نفسه. واضح أن حماة البيئة قد منحوا دب الكوالا حرمة وقدسية بأكثر من البقرة المقدسة لدى الهندوس.

في ذلك العقد نمت ضراوة أحباب الحيوان والنبات والبيئة عموما وصار لهم حتى أسطول يجوب البحار ويدخل في معارك وأعمال عنف مع خفر السواحل من الهند حتى البلدان الأسكندنافية.

لكن غضب هؤلاء ورعونة ردود أفعالهم حملت الكاتب المشاكس على الإيغال في التمسك بطبخ الكوالا للعشاء. لم يكتف بهذا بل راح يتغزل بلحم الكوالا والأثر الجميل الذي تخلفه في لحمه أوراق شجرة الكاليبتوس التي لا يكاد يأكل غيرها.

لكني أرى أن الأمر ملتبس على أهل البيئة وحماة القنافذ والثعالب. فلو تدبروا الأمر قليلا دون عصاب وتشنج لأدركوا أن الحيوانات التي نأكلها هي الأبعد عن الانقراض.

لا أظن أن هناك على سطح الكوكب حيوانا أبعد عن الانقراض مثل الدجاج. لا أستطيع أن أخمن عدد الدجاجات على سطح الأرض، لكني أظن أن دجاج العالم إذا قرر أن يثور وينتفض فسيسد الآفاق عددا وانتشارا.

لا أجد تفسيرا لازدهار الدجاج سوى طعمه المستساغ وثمنه الذي هو في المتناول. حين يكتب المؤرخون تاريخ الدجاج منذ نشأته سيقفون عند علامة بارزة في تاريخ هذا الطائر. تلك النقطة هي لحظة بيع أو مقايضة أول دجاجة، لغرض الأكل.

ففي تلك اللحظة الموعودة تحولت الدجاجة من طائر أحمق مضحك إلى سلعة لها ثمن. وما يكون له ثمن يخرج عن نطاق وسيطرة كل القواعد ويصير خاضعا لما يسمونه “منطق السوق”. بموجب هذا يصير الدجاج محكوما بعمليات بيع وشراء واسعة أكبر من الشخص ومن أي سوق منفرد. ما قلناه عن الدجاج ينطبق على الخرفان وكافه أنواع الماشية والأسماك. النصيحة إذن: من أراد لأي حيوان أن يزدهر فليذبحه.

24