"اذهب أو لا تذهب".. حين يعيش البشريّ الأخير يوميات عزلته

فيلم خيال علمي يمجّد الإنسان الوحيد والطبيعة الصامتة عبر سردية شعرية.
الاثنين 2021/01/18
تدفق الذكريات وتراكمها أنقذا البطل من الانهيار

يستعرض فيلم ”اذهب أو لا تذهب“ للمخرج أليكس كناب زمن العزلة والوحدة بامتياز، في شكل يتماهى مع أجواء الحظر والعزل الشاملين الذين تعيشهما البشرية في زمن كوفيد – 19 الاستثنائي.

العالم الصاخب من حولنا ومن حول الشخصية الرئيسية في فيلم “اذهب أو لا تذهب” من الممكن أن يختفي، وتختفي معه حياة الناس ولا تبقى إلّا أنت.

يحضر هنا آدم (الممثل أليكس كناب) وهو الذي يتحمّل أعباء تلك الوحدة والعزلة بجميع أبعادها، وذلك الاختفاء المفاجئ للبشر.

يقدّم الفيلم يوميات آدم، الشخص الوحيد المتبقي في ذلك المكان، في ظل عالم ديستوبي قاحل، ليتجوّل البطل وسط بقايا حياة وضواحٍ مهجورة من ساكنيها باحثا عن الناس والذكريات.

في البدء كانت الحياة صاخبة، وفي أحد المقاهي العامرة يتعرف آدم على الفتاة كي (الممثلة أوليفيا لوكاردي) التي سوف تعطي معنى لحياته وتجعله يدور في فلكها، وها هو يخرج معها في المساء، وما هي إلّا ثوان معدودة حتى تختفي ويختفي الناس من حولها لتبدأ رحلة آدم وحيدا.

من هنا سوف تتدفّق تلك السردية الفردانية التي تلاحق يوميات إنسان في زمن الغياب الكامل للبشر، وليس مهمّا – من وجهة نظر المخرج – أيّ سبب يكمن وراء اختفاء الناس، فأسباب المحو متوافرة وهي متعددة ولن ينشغل المخرج في الخوض فيها تاركا للمشاهد افتراض الأسباب.

فيلم "اذهب أو لا تذهب" يستعرض سردية فردانية تروي يوميات شخص وحيد في زمن الغياب الكامل للبشر

مع ذلك فالأرض لا تزال حبلى بما خلّفه الإنسان، ومثال ذلك الألغام التي فتكت بآلاف البشر، وها هي تلاحق الكائن الأخير والوحيد عندما يتفجر لغم تحت قدميه في وسط غابة، ومن حسن حظه تسقط شجرة لتنحشر إحدى ساقيه من تحتها ويخرج من الأزمة بعرج خفيف وملابس ممزقة وبعض الجروح الطفيفة.

أما أصوات الناس التي يجري استخدامها كخلفية للماضي، فليست إلّا الرسائل الصوتية التي تركوها على هاتف آدم، وهو ينصت إليها تباعا حيث كان يسير في المتاهة والنداءات تتوالى من حوله، وصولا إلى مقرّ عمله القديم في أحد محلات السوبر ماركت، وهناك سوف يوجه النداءات إلى العاملين، ولكن دون ردّ ولا جدوى.

لكن آدم من فرط عزلته ووحدته سوف يشعر بتضاؤله بالقياس إلى الأماكن التي سوف يدخل إليها، إنه مجرد جرم صغير في مدار شاسع ولهذا سوف يعود إلى ذلك العبث في صالة كبيرة للألعاب، وهناك سوف يعبّر عن نفسه فيغني ويرقص حتى يلوح شبح كائن ما، فأيّة دهشة أو سعادة يحملها بمجرد الظن بوجود كائن آخر؟

الفرد الأعزل والمكان هي الثنائية التي اشتغل عليها هذا الفيلم في معالجته السينمائية وتعمّق فيها، الفرد في بيئات متعددة، فتارة هو يعلم تفاصيل المكان من قبل وتارة أخرى يجهله ويكتشفه، وما بين الحالتين هنالك صلة ما مع المكان، صلة اغترابية كاملة قائمة على مفهوم الاغتراب، لكنها في المقابل لم تدفع آدم إلى فقدان بوصلة وجوده ولا إلى اكتفائه بالانزواء في قوقعة ما، بل أفضت به إلى المزيد من الاكتشاف مع ما يرافقه من إشارات دلالية (علامة الضرب) الحمراء التي تدلّ على أن كل شيء جامد أو ملغى وظيفيا.

ويعدّ الفيلم تجربة سينمائية نادرة، وربما لا يجد هذا النوع من الأفلام جمهورا واسعا، لأننا نفتقد فيه إلى الحبكات الثانوية والتصعيد الدرامي والأحداث المفاجئة وتنوّع الشخصيات، بقدر المضي في خطاب سردي شعري يمجّد الإنسان الوحيد والطبيعة الصامتة والأماكن التي فارقها أهلها.

إنه نوع سردي يعزف على وتر الديستوبيا من زوايا مختلفة، وفي وسط ذلك شخصية آدم الذي ظل يواصل تفاعله مع ذلك العالم المتضائل أمامه مع ذخيرة بصرية حاشدة من الذكريات، حيث يظهر أصدقاؤه القدامى وذكرياته مع الفتاة كي، وكلها أعطت للفيلم مساحة من الحيوية ولم تبقه مجرّد جولة في عالم خال من البشر.

العودة إلى الماضي بديلا عن حاضر غامض
العودة إلى الماضي بديلا عن حاضر غامض

هذا الفيلم يذكرنا بفيلم سابق هو فيلم “نجمة سمكة”، سبق وقدّمنا عنه قراءة نقدية في هذه الصفحة، وكانت الشخصية هي فتاة تبحث لنفسها عن ملاذ من ذكريات وسط عالم ديستوبي قاحل، والفارق هو ذلك العالم الثلجي الذي تجد نفسها فيه مطاردة بالذكريات.

والسمة الغالبة في أفلام الديستوبيا التي تنتمي إلى فصيلة أو نوع سينما الخيال العلمي، فهي سمة الحياة ما بعد الخراب وكيف تقاوم الشخصيات من أجل البقاء في مواجهة آثار الحروب المدمرة أو ثورات الطبيعة أو الأوبئة والجائحات.

وأمّا هنا، فإن هذا الحضور يبدو غامضا، وكأن المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو والممثل والمنتج أراد أن يحتفي بوجوده الإنساني الكامل الذي يتكامل فيه مع الطبيعة والناس مع تعميق عنصر الخيال إلى حدّ كبير بافتراض أن الشخصيات موجودة بالفعل، ومن الممكن أن يتعزّز حضورها في أيّة لحظة، ولهذا اعتمد عنصر العودة إلى الماضي، وخاصة من خلال علاقته بصديقه وصديقته.

استخدم المخرج أليكس كناب ببراعة في فيلمه عناصر التصوير من خلال اللقطات العامة التي جسّدت الطبيعة والأماكن المفتوحة، كما استخدم زوايا ومستويات الكاميرا للتعبير عن العزلة والوحدة، وبرع أيضا في إبراز الحوار الفلسفي – الشعري بين البشريّ الوحيد وبين الطبيعة والمكان، وكذلك مع الذكريات وتراكمها وتدفقها.

16