ارتباك أميركي في سوريا أمام هدنة "مبعثرة"

على الرغم من كون الهجوم الأميركي على أهداف عسكرية سورية فاجأ المتابعين للتطورات الميدانية على الأرض، إلا أن مراقبين يستبعدون أن يشكل ذلك منعرجا في السياسة الأميركية تجاه بشار الأسد، حيث لم يعد إسقاطه ضمن أجندات واشنطن.
الاثنين 2016/09/19
الإطاحة بنظام الأسد لم تعد من أولويات الإدارة الأميركية

دمشق- سارعت الولايات المتحدة الأميركية إلى الاعتذار عن الغارة الجوية، التي استهدفت مواقع للجيش السوري في دير الزور، السبت. وذكرت مصادر إخبارية، السبت، أن طائرات أميركية قتلت أكثر من 60 جنديا سوريا في أربع ضربات جوية نفذتها طائرتان من طراز أف-16 وطائرتان من طراز ايه-10 من اتجاه العراق. وأقر التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، السبت، بأنه قصف ما كان يعتقد أنه موقع للجهاديين، قبل أن يوقف العملية حالما أبلغته موسكو بأن الأمر يتعلق بموقع للجيش السوري. وعبرت السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة سامانتا باور السبت عن أسف بلادها لهذه الغارة “التي لم تكن متعمدة”.

ويقول مراقبون للتطورات الميدانية السورية إن اختباء واشنطن وراء يافطة “عدم التعمد” يكرس تنصل الإدارة الأميركية من وعودها التي قطعتها على نفسها أمام الشعب السوري لسنوات طويلة بالوقوف إلى جانبهم في وجه هجمات النظام المتكررة. وتراجعت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الغربيون عن مطلبها بتنحي الأسد، وأصبحت تحث على إشراك قواته جنبا إلى جنب مع قوات معارضيه في الحرب على داعش.

إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تخلت نهائيا عن فكرة الإطاحة بالأسد لما رفضت التدخل لحسم الصراع عسكريا

وتخلى حلفاء واشنطن وخاصة من الدول الأوروبية عن دول غربية عن المحاذير التي كانت ترفعها في وجه الأسد، ولم تعد تفكر سوى في حشد العالم كله للحرب على التنظيم المتشدد ومنع وصول المقاتلين المتشددين إليها. ويؤكد مراقبون أن هدف الولايات المتحدة الأميركية من وراء حملتها الجوية في سوريا، هو فقط إضعاف التنظيمات الجهادية وخاصة تنظيم داعش دون الالتفات إلى مطالب الشعب السوري في توفير حماية من هجمات النظام التي لا تتوقف.

ويقول هؤلاء إن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تخلت نهائيا عن فكرة الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، لما رفضت التدخل لحسم الصراع عسكريا منذ الاتفاق الأميركي الروسي على عدم التدخل العسكري الأميركي مقابل نزع السلاح الكيميائي السوري في 2013. وبغض النظر عن الهدف الأميركي من استهداف مواقع للجيش السوري أو أهدافها، فإن تلك التطورات رفعت من منسوب التوتر بين واشنطن وموسكو، ما أثار الخشية على مصير اتفاق الهدنة الذي توصلتا إليه.

ووصف المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين الغارات الجوية بـ”نذير شؤم” للاتفاق الأميركي الروسي. وتوصلت الولايات المتحدة وروسيا في بداية الشهر الحالي إلى اتفاق بدأ بموجبه مساء الاثنين الماضي وقف لإطلاق النار في سوريا يستثني تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا قبل فك ارتباطها بتنظيم القاعدة).

وبالفعل فقد أكدت تقارير إخبارية أن غارات جوية استهدفت، الأحد، الأحياء الشرقية في مدينة حلب السورية للمرة الأولى منذ بدء الهدنة في سوريا قبل حوالي أسبوع. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان “استهدفت طائرات حربية أحياء كرم الجبل وكرم البيك والصاخور وحي الشيخ خضر في مدينة حلب بأربعة صواريخ، ما أسفر عن سقوط جرحى”. ولم يتمكن المرصد السوري من تحديد ما إذا كانت الطائرات روسية أو سورية.

وصعدت موسكو حربها الكلامية مع واشنطن، الأحد، وقالت إن ضربات جوية شنها التحالف بقيادة الولايات المتحدة على الجيش السوري تهدد تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا وتصل إلى حد التآمر مع داعش. ووصفت وزارة الخارجية الروسية في بيان شديد اللهجة موقف الولايات المتحدة من الواقعة بأنه “غير بناء وغير واضح”.

وأضافت “تندرج تحركات طياري التحالف -إذا لم تكن تنفيذا لأمر صادر عن واشنطن وهو ما نتمناه- بين الإهمال الجنائي والتآمر مع إرهابيي الدولة الإسلامية”. وأردفت “نحث واشنطن بشدة على ممارسة الضغط اللازم على الجماعات المسلحة غير المشروعة التي ترعاها لتنفيذ خطة وقف إطلاق النار دون شروط، وإلا فإن تنفيذ المجموعة الكاملة من الاتفاقات الأميركية الروسية التي تم التوصل إليها في جنيف في التاسع من سبتمبر سيكون عرضة للخطر”.

ودعت روسيا الولايات المتحدة مرارا إلى الضغط على جماعات المعارضة السورية المعتدلة حتى تفصل نفسها عن الدولة الإسلامية و”الجماعات الإرهابية” الأخرى. وأضافت أن ما حدث، السبت، نتيجة للرفض الأميركي “المتعنت” للتعاون مع موسكو في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة التي غيرت اسمها إلى جبهة فتح الشام و”جماعات إرهابية أخرى. وأثارت واشنطن غضب موسكو أيضا عندما تركت سفيرتها في الأمم المتحدة سمانثا باور مقعدها فجأة، بعد أن انتقد السفير الروسي في المنظمة الدولية فيتالي تشوركين الضربات الجوية خلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا “نخلص إلى استنتاج مروع حقا للعالم بأسره أن البيت الأبيض يدافع عن الدولة الإسلامية.. الآن لا يمكن أن يكون ذلك محل شك”. ومن المرجح أن يزيد الخلاف الدبلوماسي تعقيد توصيل المساعدات الإنسانية إلى سوريا، بما في ذلك مدينة حلب التي يظل الوضع فيها متأزما بشدة وحيث انتهكت الهدنة مرارا. وقالت الأمم المتحدة إن شاحنات المساعدات التي كان من المنتظر أن تتحرك إلى حلب صباح الأحد تأجلت مرة أخرى.

وقال مسؤول كبير للمساعدات في جنيف “هذه لحظة صعبة… قوافل الأمم المتحدة مسيسة إلى حد كبير”. وأشارت وزارة الدفاع الروسية إلى أن الأوضاع تتدهور في سوريا فيما يستعر الصراع في مناطق من البلاد، حيث من المفترض تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار. وذكر المرصد السوري أن الاشتباكات العنيفة بين الحكومة وحلفائها ومقاتلي المعارضة استمرت، الأحد، شرقي دمشق في ضاحية جوبر التي تسيطر عليها المعارضة.

2