ارتباك أوباما يثير حيرة الأصدقاء ويشجع الأعداء

السبت 2015/10/03
أوباما يواصل حالة الصمت السلبي إزاء التحركات العسكرية لروسيا على الأراضي السورية

واشنطن- زادت حالة الصمت السلبي الأخيرة التي ظهر عليها الرئيس الأميركي إزاء التحركات العسكرية التي تقوم بها روسيا على الأراضي السورية منذ أيام، من حدّة الانتقادات الموجهة إليه من قبل عدد من المراقبين الذين يرون أنّ افتقاره إلى الوضوح والرؤية وحتى الجرأة بات من أبرز السمات المميزة له، وهو رئيس الدولة الأكثر قوة في العالم.

وتبقى استراتيجية أوباما وأهدافه في مواجهة الفوضى المخيمة في سوريا، وفق ذات المراقبين محيّرة؛ بداية من الخط الأحمر المُبهم المعالم الذي حدده بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية وصولا إلى رده الغامض على دخول روسيا العسكري اللافت في الصراع السوري، حيث أنه وقبل أقلّ من 500 يوم على انتهاء ولايته الثانية على رأس الإدارة الأميركية، لا ترد أيّ مؤشرات تفيد بأنه قد يبدل نهجه أو يذعن للضغوط ويقبل بوتيرة تحرّك مختلفة.

بالمقابل يشدد أوباما على أهمية التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربة داعش، ويبحث عن تحالفات إقليمية أخرى ويحذر بشكل متواصل من أي تدخل متهور، مسلّحا بقناعته الراسخة بأن القوة العسكرية الأميركية غير قادرة وحدها على تسوية الأزمات العنيفة التي تهز العالم وخصوصا في الشرق الأوسط، وفق تعبيره.

غير أن موقفه المتردد والمتقلب في صيف 2013 حول شن ضربات ضدّ نظام الرئيس السوري بشار الأسد إثر استخدامه أسلحة كيميائية ضد معارضيه ترك انطباعا سلبيا للغاية عن مدى جديته وجرأته في التدخل في هذه الأزمة المستعصية.

وجاءت تطورات الأيام الأخيرة حين بدا أن الهجمة الروسية الدبلوماسية والعسكرية في سوريا باغتت البيت الأبيض لتسلط الضوء أكثر على التردد الأميركي، ليختار الرئيس الأميركي على إثر ذلك لزوم الصمت، على الأقل في الوقت الحاضر.

ويقول جوليان زيليزر أستاذ التاريخ في جامعة برينستون، في هذا الصدد “في السياسة الخارجية من الصعب على الدوام تبيان ما يجري في الكواليس، لكن الانطباع المسيطر هو أنّ أوباما اليوم لا يملك ردا واضحا، والانطباع أمر جوهري في السياسة”.

جون ماكين: إدارة أوباما استبدلت المجازفة بالتحرك بمخاطر عدم التحرك

ويتّفق مراقبون أنّ أوباما لطالما بدا حريصا على إبداء اختلاف تام عن نهج سلفه الجمهوري جورج بوش ونزعته الميالة إلى التدخل في الخارج، لكنّ ذلك يطرح لديهم جملة من التساؤلات مفادها؛ هل أنه مضى إلى أبعد ممّا ينبغي في هذا الاتجاه المعاكس، وهل “أعلن تقاعد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”، حسب تعبير السناتور الجمهوري جون ماكين؟

وكان أوباما قد أعلن في 18 أغسطس 2011 بعد خمسة أشهر من القمع الدامي الذي مارسته دمشق ضد حركة احتجاجية غير مسبوقة في سوريا، أنه “من أجل مصلحة الشعب السوري حان الوقت لتنحي الرئيس الأسد”. وبعد ذلك التصريح بسنتين أعلن أن الولايات المتحدة على وشك ضرب أهداف تابعة للنظام السوري بعد هجوم بالأسلحة الكميائية أوقع أكثر من 1400 قتيل، حسب الاستخبارات الأميركية، وشكل انتهاكا لخط أحمر حددته إدارة أوباما سلفا، غير أنّه فاجأ العالم بإعلانه في الوقت نفسه طرح هذا القرار للتصويت في الكونغرس، مستبعدا عمليا أيّ تحرك عسكري وشيك. ولم يجر التصويت في نهاية المطاف وتمّ التخلي عن خطة شن ضربات إثر اقتراح روسي بتدمير الأسلحة الكيميائية السورية.

وفي أغسطس 2013، صدر تصريح عن أوباما عزز الإحساس بارتباك إدارته، إذ أعلن متحدثا عن مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا خلال مؤتمر صحافي “ليس لدينا استراتيجية بعد”. وعبثا حاول البيت الأبيض فيما بعد تبرير هذا التصريح وشرح خلفيته، وبقيت هذه الجملة ماثلة في الأذهان كاختصار للنهج الأميركي حيال النزاع الحاصل في سوريا.

ولاحقا وعلى الرغم من التزامه مرغما بتدريب المعارضة المعتدلة لتقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، إلاّ أنّ تلك العملية سجلت حتى الآن فشلا كبيرا. وقبل أسبوعين استمع أعضاء الكونغرس بذهول إلى الجنرال لويد اوستن يستعرض نتائج الخطة، إذ أعلن أن البرنامج الذي خصصت له اعتمادات بقيمة 500 مليون دولار، والذي كان يفترض أن يشمل حوالي خمسة آلاف مقاتل في السنة، لم يسمح حتى الآن سوى بتدريب بضع عشرات المقاتلين.

ولخّص جون ماكين، بداية هذا الأسبوع رؤيته لهذا الموضوع، قائلا إن “هذه الإدارة أثارت الحيرة بين أصدقائنا، وشجعت أعداءنا، وخلطت ما بين الإسراف في الاحتراس والحذر، واستبدلت المجازفة بالتحرك بمخاطر عدم التحرك”.

ومع انطلاق الضربات الروسية، مازالت مواقف البيت الأبيض على ضبابيتها تلك مثيرة للحيرة لدى الكثيرين، خاصة بعد أن أعلن أنّ الضربات الجوية الروسية التي يندد بتناقضاتها وتعارضاتها، لن تحمله على “لإعادة تقييم عامّة” لاستراتيجيته في سوريا.

ويشدد أوباما على أنه من المستحيل فرض “حل عسكري” في سوريا، مذكرا في نقد مبطن لخصومه الجمهوريين كما للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأن الأميركيين عجزوا عن ذلك في العراق قبل عقد كما عجزت عنه روسيا في أفغانستان قبل ثلاثين عاما.

ويبقى أن هذا الحذر المسرف الذي يبديه أوباما حيال سوريا لإرسال قوات على الأرض ينسجم، حسب جوليان زيليزر، مع شعور عام منتشر في الولايات المتحدة. حيث يقول إنّ “هناك بصورة عامة وباستثناء الفترة التي تلت 11 سبتمبر 2001، مقاومة فعلية لدى الأميركيين حيال الانخراط في حرب، وعلى الأخص في الشرق الأوسط”.

ولدى تطرقه لكلمة أوباما التي ألقاها، الإثنين الماضي، من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة وقال خلالها “إن كانت القوة العسكرية ضرورية، إلا أنها غير كافية لتسوية الوضع في سوريا”، مشددا على “أنّ هذا العمل سيستغرق وقتا”، لفت زيليزر إلى أنّ هذا الخطاب يثبت مرة جديدة حقيقة جلية وهي أن أوباما “محارب متمنع وأنه لا ينوي أن يتغير”.

7