ارتباك الاقتصاد الجزائري يحطم المشاريع الصغيرة للشباب

اتسعت المصاعب والمعوقات التي يواجهها مشروع تشغيل الشباب في الجزائر عبر قروض لإنشاء مشاريع صغيرة، بسبب توجيهه لخدمة أغراض سياسية ودعائية، بدل الأغراض الاقتصادية، الأمر الذي حوله إلى ملعب للتحايل على الأموال العمومية أو السقوط في أروقة المحاكم.
الأربعاء 2015/10/14
جيش العاطلين عن العمل يمكن أن ينفجر في أي لحظة

كشف مسؤول في بنك حكومي جزائري لـ”العرب” أن غياب الجدوى الاقتصادية في المشاريع الصغيرة التي خصصتها الحكومة للشباب، كبد البنك خسائر فادحة، نتيجة عجز أصحابها عن تسديد ديون القروض التي حصلوا عليها.

وأكد شيوع حالات إفلاس تلك المشاريع بسبب قلة التخطيط والدعم المقدم للمشاريع التي أنشأها الشباب بدعم من البرنامج الحكومي، بسبب هيمنة الطابع السياسي الشعبوي من قبل السلطات، التي وظفته شراء السلم الاجتماعي، وغابت عنه الجوانب العملية ودراسات الجدوى الاقتصادية.

ويعود تاريخ البرنامج إلى نحو 20 عاما، وتم تسريعه خلال السنوات الأخيرة بتقديم تسهيلات كبيرة للشبان الراغبين في إنشاء مؤسسات صغيرة، خاصة بين عامي 2008 و2014، التي تزامنت مع استحقاقين رئاسيين قادت بوتفليقة للولايتين الثالثة والرابعة، وتم توظيف البرنامج لدعم وتأييد مرشح السلطة.

وأكد مراد زماني مدير هيئة الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب لـ”العرب” أن البرنامج الذي انطلق عام 1996، لأدى لإنشاء 324 ألف مؤسسة توظف أكثر من مليون شاب.

فارس مسدور: قبل فتح خزائن البنوك يجب إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية للمشاريع

وأضاف أن الهيئة تسعى لإعاد النظر في البرنامج لتفادي بعض الأخطاء المتعلقة بالجدوى الاقتصادية، التي أدت إلى إفلاس حوالي ربع المؤسسات، خاصة خلال السنوات الأخيرة. وقلل من شأن الانتقادات التي تطال البرنامج، والتي تصفه بأنه “تبذير للأموال بشراء الذمم لأغراض سياسية”. وقال إن “نسبة تحصيل القروض من طرف البنوك تفوق 64 بالمئة، ونحن في تواصل دائم مع المؤسسات المتعثرة من أجل إنعاشها، وأن الملفات المحالة على القضاء لا تصل حتى نسبة 1 بالمائة”.

لكن المسؤول في البنك الحكومي، الذي طلب عدم الكشف عن إسمه أكد شيوع حالات إفلاس تلك المشاريع وسرد أمثلة عليها.

وقال إن البنك أقرض مشروعا للتصوير الفوتوغرافي 50 ألف دولار، لكنه لم يتمكن من استردادها، فاضطر لاتخاذ التدابير القانونية، التي أفضت لحجز تجهيزات الشركة. وأضاف أن “البنك يحاول بيعها في المزاد العلني، لتقليص خسائر القرض، لكننا لم نتلق أي عرض، والآن مستعدون لبيعها ولو بألف دولار، لتحرير المساحة التي تشغلها التجهيزات”.

وذكر حالة أخرى حاول البنك استرداد أقساط قرض منحه لشاب لشراء شاحنة تبريد، لكن المستفيد أعلن إفلاسه وسلم مفاتيح الشاحنة للوكالة، وهي في حالة متدهورة، مما كلفها خسارة 40 ألف دولار، في انتظار ما ستسفر التدابير القانونية.

ويُعيب مراقبون على السلطة التوظيف السياسي للبرنامج وافتقاده للأبعاد الاقتصادية، وتحويله إلى وسيلة لشراء الذمم والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، بدل إنشاء شركات ناجحة. ويقولون إن الجزائر بعيدة عن المعدلات الطبيعية لعدد الشركات، والتي لا تتجاوز نحو 700 ألف مؤسسة.

وأكد الخبير الاقتصادي فارس مسدور لـ”العرب”، بأن فلسفة التشغيل وخلق المؤسسات في الجزائر، مازالت تسير في اتجاه خدمة الأغراض السياسية وليس الأغراض الاقتصادية.

وقال إنه من غير المعقول فتح خزائن البنوك بتعليمات إدارية، بدل الاعتماد على دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات المقدمة، والأجدر الأخذ بالدرجة الأولى، الكفاءة الشخصية وطبيعة التكوين والسوق والإنتاج، قبل تحرير القروض.

ضيافات نسيم: هيمنة القطاعات المحتكرة للسوق تصدم المشاريع الصغيرة الخاصة بالشباب

وأكدت مصادر لـ”العرب” أن بعض المستفيدين استخدموا التحايل والمحسوبية للحصول من القروض واستخدموها لأغراض شخصية، وبعضهم استخدمها للهجرة إلى أوروبا، الأمر الذي يكشف خللا كبيرا يحيط بالمشروع برمته.

وصدت دعوات من جمعية مؤسسات تشغيل الشباب إلى إلغاء ديون تلك المؤسسات المتعثرة وتجنيب أصحابها، متاعب المتابعات القانونية والقضائية، لكن مدير الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب، نفى إمكانية حدوث ذلك بسبب الوضع الاقتصادي والمالي الذي تمر به البلاد. وأكد أن الوكالة تسعى لخلق مؤسسات جديدة بالأموال التي يتم تحصيلها.

وقال رئيس الجمعية ضيافات نسيم في تصريح لـ”العرب” إن المؤسسات الشبانية تفتقد للمحفزات وفرص الشغل في السوق، نتيجة هيمنة واحتكار شركات القطاع الخاص الكبرى على السوق.

وأشار إلى أن غياب الثقة في المشاريع الصغيرة من طرف أصحاب العروض، أدى إلى فشلها وتراكم الديون عليها لدى البنوك والضرائب، لدرجة عجز أصحابها عن تسديد التزاماتهم وجرهم للإفلاس والمتاعب القانونية والقضائية.

وأضاف أن “المسألة لا تتعلق بالإجراءات الأولية لإنشاء المؤسسة، وإنما الأمر يتعلق بالواقع الصادم في السوق، بسبب هيمنة اللوبيات الخاصة والممارسات البيروقراطية على العروض المقدمة في مختلف المجالات”. وأوضح أن “الحكومة فرضت على جميع مؤسسات الدولة منح المؤسسات الشبانية تخفيضات بنسبة 20 بالمئة، لكن الأمر بقي حبرا على ورق”.

وأكد أن “هناك الكثير من الاتهامات الموجهة للمشروع بتبديد المال العام، وأن الكثير من الشباب الحاصل حصلوا على القروض بالتحايل والسمسرة، وأنهم يفتقدون لحوافز العمل والاجتهاد، لكن واقع الارتباك والتعثر الاقتصادي ساهم أيضا في تحطم المشاريع”.

10