ارتباك السياسات الإيطالية نحو ليبيا: خسارة الموقف والموقع والمصالح

روما فقدت أملها في التطبيع مع الجيش بسبب قواتها في مصراتة، وضاع تحالفها مع السراج في زحمة المواقف الدولية المناهضة لميليشياته.
الأحد 2019/05/05
إيطاليا تمسك باليد المترعشة

بعثرت العملية العسكرية التي يقودها الجيش الليبي لاستعادة السيطرة على طرابلس أوراق إيطاليا، التي تجد نفسها تغرّد خارج السرب في دعمها لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، وميليشيات طرابلس ومصراتة، في حين يحوز الجيش الوطني على الدعم العالمي والإقليمي.

 يبدو الموقف الإيطالي مضطربا إزاء مستجدات الوضع في ليبيا. هناك انتقادات واضحة لحكومة جوزيبي كونتي بأنها فقدت البوصلة، ولم تستطع تحديد موقف واقعي بعد تورّطها السابق مع الميليشيات. ويرى أصحاب تلك الانتقادات أن دبلوماسية بلادهم لم تكن جاهزة لتقبّل الموقف الأميركي الذي يبدو داعما للجيش الليبي بقيادة المشير حفتر، ولا مواقف الدول الكبرى الأخرى مثل روسيا والصين وفرنسا، والقوى الإقليمية كالسعودية ومصر والإمارات، ولا حتى للمنظمات الدولية والإقليمية: مجلس الأمن العاجز عن اتخاذ قرار بوقف المعارك، والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، وجميعها يجعل من الصمت دعما غير معلن لعملية “طوفان الكرامة”.

الاضطراب الإيطالي له وجهه السلبي الذي يحاول أن يعرقل بشكل من الأشكال تحرير طرابلس، فطيران الميليشيات التابعة لحكومة الوفاق لا يزال ينطلق من الكلية الجوية بمصراتة لقصف المدنيين في عدد من المناطق الداعمة للجيش الوطني. وهناك عشرات القتلى من المدنيين الذين سقطوا بسبب قصف جوي نفذته طائرات حربية في مناطق مثل ترهونة وغريان وهون والعزيزية وفي ضواحي طرابلس كقصر بن غشير وعين زارة وسوق الخميس وغيرها.

وبالسؤال عن السبب الكامن وراء عدم إقدام سلاح الجو التابع للقيادة العامة للجيش الليبي بالرد على طيران الميليشيات وقصف المهبط الذي تنطلق منه من الكلية الجوية بمصراتة، تؤكد المصادر العسكرية أن ما يحول دون ذلك هو وجود قوات إيطالية في المطار وحوله، وأن الإيطاليين ركزوا المستشفى الميداني داخل الكلية، الأمر الذي جعل طيران الميليشيات يستفيد منه حيث بات يتخذ من الإيطاليين دروعا يتخفى وراءها.

سلاح الجو التابع للقيادة العامة كان قد نجح في تحييد طيران الميليشيات في مطار معيتقة بطرابلس يوم 12 أبريل 2019، غير أن طيران مصراتة لا يزال يمثل خطرا على المدنيين، والأغلبية الساحقة من الليبيين ترى أن إبقاء إيطاليا على قواتها في مصراتة وخاصة في قاعدة الكلية الجوية يمثّل دعما للميليشيات الخارجة عن القانون والجماعات الإرهابية.

دعم إيطالي للميليشيات

كان الناطق باسم القوات المسلحة الليبية اللواء أحمد المسماري، طالب السلطات الإيطالية بإغلاق المستشفى العسكري الإيطالي في مدينة مصراتة، ومغادرة أربعمئة جندي إيطالي في أسرع وقت ممكن.

وقال المسماري، في تصريحات لصحيفة كورييري ديلا سيرا الإيطالية، إن هذا المستشفى الميداني الذي أنشئ إبان الحرب على داعش في مدينة سرت العام 2016، لم تعد له مهمة إنسانية في الوقت الحالي، وأنه لا جدوى من الإصرار على أنه مرفق طبي، وأن الجنود الإيطاليين يعملون لضمان محيطه الأمني، مضيفا أن هؤلاء الجنود يعملون كمدرّبين للميليشيات داخل قاعدة مصراتة حيث يقع المستشفى، وتقلع منها الطائرات التي تقصف القوات المسلحة.

ردّت هيئة الأركان العامة في روما على المسماري بأن الجيش الإيطالي “لا يشارك مطلقا” في الاشتباكات التي تجتاح ليبيا في هذه الفترة. وقالت إن المستشفى والجنود الإيطاليين “يعملون في وئام مع حدود المهمة التي قررتها الأمم المتحدة بمهام واضحة ذات طبيعة إنسانية بحتة وبدعم فني للصيانة”.

اللواء أحمد المسماري طالب سابقا السلطات الإيطالية بمغادرة أربعمئة جندي إيطالي في أسرع وقت ممكن
اللواء أحمد المسماري طالب سابقا السلطات الإيطالية بمغادرة أربعمئة جندي إيطالي في أسرع وقت ممكن

باختصار، لا علاقة للميليشيات المحلية أو العصابات المسلحة، لكنّ رأي الليبيين يبدو واضحا كذلك: إذا أرادت إيطاليا ألا تتورط في الصراع فيجب عليها إعادة المستشفى والجنود إلى أراضيها، وهناك من يقولون في منطقة “الرجمة” مقر قيادة الجيش الليبي، “نشك في أن الطائرات الإيطالية دون طيار يمكن أن توفر بيانات لمخابرات فائز السراج والميليشيات التي تحارب تحت لواء حكومته”.

صحيفة أليساندريا أوجي الإيطالية قالت إن “الجنود الإيطاليين في ليبيا يتعرضون للنيران. في الوقت الحالي من خلال ضربات الدعاية، ولكن في حالة الحرب دون ربع، لا يتطلب الأمر سوى القليل من التشنج للانتقال إلى الانتقام المسلح”. أما صحيفة لا كوريرا دي لاسيرا، فأوضحت أنه “في أوقات الحرب، تصبح لغة الدعاية أكثر عدوانية بشكل طبيعي ولا يصنع السيناريو الليبي أي استثناءات، بل يؤكد بشكل كبير تلك القاعدة. تلعب قناة الجزيرة الفضائية القطرية دورا واضحا إلى جانب تحالف الميليشيات التي تقف إلى جانب فائز سراج وتشجب وصول الأسلحة وحتى الفرقاطة من بنغازي إلى محطة راس لانوف التي يسيطر عليها الجيش، في هذه الأثناء، يُظهر لنا المتحدث الرسمي باسم القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية صورة حيث قام نصف ميليشيات مصراتة على الأقل بطباعة العلم الإيطالي على آلياتهم العسكرية مع كتابة حروف باللغة العربية على الباب”.

الحقيقة أن تلك الصور التي استظهر بها المسماري أحدثت سجالا واسعا بين الليبيين، البعض يرى أن التاريخ يعيد نفسه، وكأن إيطاليا تحاول أن تسترجع تاريخها في بلادهم في بدايات القرن الماضي، عندما كانت تعتمد على بعض العملاء المحليين في اختراق المجتمع، واليوم هي متّهمة بدعم ميليشيات مارست منذ 2011 كل أشكال الجريمة في حق الشعب.

لذلك، تشعر روما بأنها في ورطة حقيقية، فهي قد راهنت على ميليشيات المنطقة الغربية وخاصة ميليشيات مصراتة وبعض ميليشيات زوارة والزاوية، حيث أقنعها القطريون بأن القوة الحقيقية في ليبيا هي تلك التي توجد في مدينة مصراتة، وأن عليها أن تراهن عليها مستقبلا.

جاء هذا الإقناع من خلفية ترجيح مشروع الانقسام بعد الانقلاب على نتائج انتخابات 2014 البرلمانية وحرب “فجر ليبيا”، ثم إن إيطاليا لديها حنين للشاطئ الرابع وفق أدبيات الاحتلال الفاشي للبلاد، ووفق مخلفات تاريخ يعود إلى أكثر من ألفي عام، وكذلك لديها مطامع في الثروة وبخاصة النفط والغاز، حتى أنه تم تصوير الخلاف مع فرنسا التي تبدو داعمة للجيش، على أنه صراع بين إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية.

كذلك كانت روما تعتقد أن ميليشيات المنطقة الغربية يمكن أن تساعدها على ضبط الحدود البحرية، ومنع زحف المهاجرين غير الشرعيين من الضفة الجنوبية للمتوسط.

في الوقت الحالي، هناك حوالي 50 شركة إيطالية لها علاقات تجارية مع ليبيا، لما مجموعه أكثر من 60 ألف عامل معني بما في ذلك عمال الصناعات ذات الصلة وبلغ إجمالي قيمة الاستثمارات 11 مليارا في عام 2015، وشركة إيني، التي تمكنت إلى الآن من استخراج 320 ألف برميل من النفط يوميا في ليبيا، قررت مؤخرا وكإجراء وقائي، إجلاء الموظفين الإيطاليين الليبية.

مواقف متداخلة

حاول المحلل السياسي والعسكري الإيطالي لورينزو فيتا أن يفسّر طبيعة مواقف حكومته المتداخلة بالقول إن روما سعت أولا إلى أن تفعل شيئا مع دونالد ترامب للسيطرة على سير الانتقال السياسي في ليبيا. لكن رئيس الولايات المتحدة يخاطب المشير حفتر رأسا، بل ويعهد إليه بدور أكثر أهمية في القضاء على الفوضى في ليبيا. لكن يحدث تغيير جديد في المسار: يطلب جوزيبي كونتي المساعدة من فلاديمير بوتين، وبعد أن كان يتحدث عن عدوان حفتر على طرابلس، خرج ليقول إنه لا يدعم فائز السراج أو خليفة حفتر ولكن فقط يدعم الشعب الليبي. وأخيرا، يبحث عن منفذ لاستعادة دفء العلاقات مع الإمارات ومصر، وهو يدرك جيدا أن ذلك لن يتحقق بسهولة في ظل تحالفه القوي مع قطر.

ويقول فيتا “الفكرة باختصار هي أن إيطاليا لا تعرف بالضبط ما تريد فعله في ليبيا. وربما هذا هو الخطأ الحقيقي الكبير الذي ارتكبته روما. وبسبب سياستنا نجد أنفسنا مضطرين إلى تغيير رأينا مرة أخرى. ولكن مع خطر أن يكون وزننا أقلّ في ليبيا”.

دعم روما المباشر للميليشيات

فشل السراج في الحصول على دعم روما المباشر للميليشيات التي تقاتل تحت إمرته
فشل السراج في الحصول على دعم روما المباشر للميليشيات التي تقاتل تحت إمرته

حاول فائز السراج ابتزاز الإيطاليين عندما استغل منابرهم الإعلامية ليحذر من أن الحرب في بلاده قد تدفع أكثر من 800 ألف مهاجر نحو السواحل الأوروبية. وقال لصحيفة لاريبوبليكا “لن يكون هناك فقط 800 ألف مهاجر جاهزون للرحيل، سيكون هناك ليبيون يفرون من هذه الحرب”، مضيفا “نواجه حربا عدوانية قد تصيب بعدوانها المتوسط برمته. على إيطاليا وأوروبا أن تكونا موحدتين وحازمتين للتصدي للحرب العدوانية التي يشنها حفتر”.

كان هدف السراج هو الحصول على دعم روما المباشر للميليشيات التي تقاتل تحت إمرته، لكنه فشل في ذلك، والمقربون منه ينقلون عنه خيبة أمله في الأصدقاء الإيطاليين الذين يعرفون بدورهم أنه بات يتهمهم في مجالسه بأنهم غيّروا موقفهم منه. وتعترف روما عن استحياء بأنها لا تستطيع مواجهة الموقف الأميركي.

ثم إن موقف السراج جاء بعد خيبة أمل نائبه أحمد معيتيق الذي كان زار إيطاليا واجتمع برئيس حكومتها وكبار مسؤوليها حاملا معه سلة من الوعود، وكذلك بوزير الخارجية القطري الذي عبّر عن استعداد بلاده لدفع تكاليف أي دور إيطالي محتمل في دعم ميليشيات الوفاق، لكن ما حدث أن معيتيق عاد بخفّي محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، والوعد الوحيد الذي حصل عليه من كونتي هو الإبقاء على المستشفى الميداني في مصراتة والقوة العاملة فيه.

تدرك الحكومة الإيطالية من خلال تقارير استخباراتها الموجودة على الميدان أن الجيش سينتصر في كل الحالات، وأن الميليشيات في طريقها إلى الانهيار، والأخطر أن حكومة السراج تعتمد في مواجهتها للجيش على جماعات إرهابية قد تلجأ في أي وقت إلى ركوب البحر للفرار من ساحات الفناء، لتكون جزر إيطاليا وجهتها، أما المشير حفتر، فهناك إجماع من وسائل الإعلام الإيطالية على أنه الرجل القوي الذي لا يبدو مهتما بشكل خاص بإعادة بناء علاقات قوية مع روما، خصوصا إذا استمرت الحكومة الإيطالية في الإبقاء على حضورها في مصراتة كدرع تتخفى وراءه الطائرات الميليشياوية التي تنفذ يوميا غارات على المناطق المؤيدة للقوات المسلحة.

6