ارتباك الموقف الرسمي إزاء "عودة الإرهابيين" يعمق قلق التونسيين

يُثير الموقف الرسمي التونسي من ملف عودة التونسيين الذين انضموا إلى تنظيمات وجماعات مُصنفة إرهابية في بؤر التوتر في المنطقة، توجس الأوساط السياسية في البلاد التي باتت لا تُخفي خشيتها من وجود “صفقة سياسية ومالية ذات أبعاد أمنية” ستكون لها تداعيات تُوصف بـ“المُرعبة” على أمن واستقرار تونس.
السبت 2016/12/31
أمن تونس أبقى

تونس - لا تتردد العديد من القوى السياسية والحزبية التونسية في القول إن الخطاب السياسي الرسمي يتسم بـ“الارتباك والتخبط”، حتى أن البعض منها ذهب إلى حد وصف الموقف الرسمي إزاء هذا الملف الحارق بـ“المتذبذب”، وسط غموض مقصود “لإخفاء تفاهمات أو صفقات ما لم تنضج بعد” ارتباطا بسياقات هذا الملف الإقليمية والدولية التي لم تخرج بعد من تأثيرات المستجدات الميدانية في بؤر التوتر حيث ما زال ينشط المعنيون بهذا الملف.

وتعكس التصريحات الأخيرة للمسؤولين التونسيين تذبذبا وترددا واضحين، رغم سعي رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى محاولة حسم الموقف عندما قال في تصريح بثته القناة التلفزيونية الوطنية التونسية ليلة الخميس-الجمعة، إن حكومته تتعامل مع هذا الملف بكل جدية.

وأكد في هذا السياق أن للسلطات التونسية قائمات اسمية بكل الإرهابيين المتواجدين في بؤر التوتر، والذين شاركوا في تنظيمات إرهابية، ولديها كافة المعطيات حول هذا الملف الذي “لا يخص تونس فقط وإنما يشمل العديد من الدول في العالم بما في ذلك العديد من الدول الأوروبية”.

وفي تأكيد لافت على الأبعاد الإقليمية والدولية لهذا الملف، قال رئيس حكومة الوحدة الوطنية في تونس إن “أغلب رؤساء الدول والحكومات الذين قابلهم في الفترة الأخيرة عبروا عن تخوفات بلدانهم من هذا الملف”.

ونفى في السياق ذاته أن تكون “الدولة التونسية قد وقعت على أي اتفاق بخصوص عودة الإرهابيين”، مُشددا في المقابل على أن موقف حكومته “ليس مع عودة الإرهابيين من بؤر التوتر إلى تونس، ولا تسعى إلى ذلك”.

غير أن هذا النفي وما رافقه من تأكيد لم يُبددا خشية الأوساط السياسية والبرلمانية التونسية التي باتت تتوجس من هذا الملف، حيث أعرب زهير حمدي الأمين العام لحزب التيار الشعبي، عن استغرابه من تلك التصريحات التي قال إنها تُخفي أمرا ما يُطبخ على نار هادئة لتحويل تونس إلى “مكب” لـ“الدواعش”.

زهير حمدي: التصريحات المتناقضة ربما تخفي نية لتحويل تونس إلى "مكب" لـ"الدواعش"

وقال لـ“العرب”، “إن تصريحات رئيس الحكومة تُثير الكثير من نقاط الاستفهام والتساؤلات، خاصة وأنها جاءت بعد ساعات قليلة من عقد اجتماع مع رئيس الدولة الباجي قائد السبسي خُصص لمناقشة هذا الملف، والحال أن السلطات الرسمية كانت تؤكد أن ملف عودة الإرهابيين من بؤر التوتر إلى تونس ليس مطروحا أصلا عليها”.

وكانت الرئاسة التونسية قد أعلنت في بيان مُقتضب وزعته مساء الخميس، أن الرئيس الباجي قائد السبسي، اجتمع في قصر قرطاج الرئاسي مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، حيث “تناول اللقاء تقدم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمقاومة الإرهاب، والخطط العملية التي وضعتها الحكومة لمعالجة ملف التونسيين العائدين من بؤر التوتر”.

واعتبر زهير حمدي أن الإشارة في بيان الرئاسة التونسية إلى بحث ما وُصف بـ”الخطط العملية التي وضعتها الحكومة لمعالجة ملف التونسيين العائدين من بؤر التوتر”، هي إقرار بأن هذا الملف مطروح على السلطات الرسمية، وبالتالي فإن المسألة تستدعي دق ناقوس الخطر لأن أمن واستقرار البلاد، وكذلك أيضا دول الجوار ستكون في خطر جدي”.

ويشاطر البرلماني عمار عمروسية هذه الخشية، وقال لـ“العرب”، “إن ارتباك وتخبط السلطات الرسمية واضحان لكل متابع”، لكن الخطير في الأمر أن هناك “رائحة وجود صفقة بشأن هذا الملف بدأت تنتشر”.

وربط عمروسية هذه الرائحة بتضارب التصريحات الرسمية، وخاصة منها تلك التي نشرتها الجمعة صحيفة “المغرب”على لسان مسؤول حكومي لم تذكره بالإسم، قال فيها إن “تونس بصدد بناء سجن كبير سيتم إيداع الإرهابيين العائدين من بؤر التوتر به مع فرض رقابة مشددة داخله وخارجه”.

وفيما أشار المسؤول الحكومي إلى أنه سيتم “تشديد الرقابة على محيط أسر الإرهابيين التونسيين تحسبا لتسلل أي من العناصر التي يناهز عددها 3000 شخص”، أكد قيس السلطاني الناطق الرسمي باسم إدارة السجون والإصلاح أنه “لم يصدر أي قرار يتعلق ببناء سجن خاص بالعائدين من بؤر التوتر”.

وبالتوازي مع ذلك، قال مهدي بن غربية الوزير المكلف بالعلاقة مع المنظمات والهيئات الدستورية، إن الحكومة “لم ولن تطالب أي دولة بتسليمها تونسيين ضالعين في قضايا إرهابية”.

وساهمت هذه التصريحات المتضاربة في إضفاء الكثير من الغموض والضبابية، لا سيما وأن المسؤولين الأمنيين والقضائيين في البلاد سبق لهم أن أكدوا أن تونس وجهت العديد من مذكرات الاعتقال الدولية ضد إرهابيين تونسيين، بل إن السلطات السودانية والإيطالية سلمت خلال الأسبوع الجاري تونسيين مُتهمين بالإرهاب بناء على تلك المذكرات.

ويرى مراقبون أن تضارب التصريحات، يكشف حدة الارتباك الرسمي في التعاطي مع هذا الملف.

وأعلنت الحكومة التونسية، الجمعة، اتخاذ إجراءات تراوحت بين السجن والمراقبة الأمنية المشددة ضد 800 جهادي عادوا من “بؤر التوتر” بين عامي 2007 و2016.

وقال إياد الدهماني، الناطق الرسمي باسم الحكومة، في مؤتمر صحافي إن هؤلاء “بينهم الموجود في السجن، ومن هو قيد الإقامة الجبرية، أو تحت المراقبة الأمنية اللصيقة والشديدة”.

وردا على سؤال عن أعداد التونسيين الذين انضموا إلى تنظيمات جهادية في هذه الدول، أجاب “أقل من ثلاثة آلاف”. وقال “عندنا قائمة بهوياتهم.. نعرف الموجودين في ليبيا.. وفي سوريا وفي العراق”.

4