ارتداء الحجاب جبرا أداة إسلامية لفرض سطوة مجتمعية

عودة حلا شيحة للفن تشكل هزيمة رمزية لدعاة الإسلام السياسي  ومؤشرات على تراجع النفوذ الديني وسطوع نجم التيار المدني.
الاثنين 2018/08/13
خلع الحجاب يعني الارتداد في العرف الإخواني

أثار خلع الفنانة المصرية حلا شيحة النقاب وعودتها للفن مؤخرا، جدلا واسعا داخل تيار الإسلام السياسي. وكشف هجوم الإخوان الضاري على الفنانة عمق العوار الفكري الذي تعاني منه الجماعة، واحتدام الفشل الاجتماعي، بعد أن قامت شيحة بالرجوع عن قرار اعتزالها الذي اتخذته منذ 12 عاما، وهو ما اعتبره البعض دلالة على استمرار فقدان جماعة الإخوان لسطوتها على المجتمع

القاهرة - لم يكن خلع الممثلة المصرية حلا شيحة للنقاب وعودتها للفن، ظاهرة اجتماعية أكثر من كونها علامة تحمل دلالات سياسية مباشرة تمس منظومة الإسلاميين عموما. فالفنانة شيحة كانت رقما في تحول اجتماعي شمل كثيرين غيرها ثم انقلبوا على الحجاب باعتبار ذلك رمزا للتحرر بعد سلسلة تغيرات سياسية حدثت في مصر والمنطقة منذ عام 2011.

وظن البعض أن قرار الفنانة شيحة، الذي شغل منصات التواصل الاجتماعي، بين مؤيد ومعارض، كان يحوم حول فرضية الحجاب وواقعه باعتباره فريضة أم سنة، لكن ما ينطوي عليه قرار الفنانة، بقصد أو دون، كان كشفا لفترة طويلة من المراوغات اعتادت عليها جماعات الإسلام السياسي، خاصة جماعة الإخوان التي تعاملت عناصر منتمية لها مع انقلاب الممثلة على أنه ضربة رمزية قوية لإنجازات طالما افتخروا بها وروجوا لها.

تخلِط الجماعة بين الحجاب- النقاب كفريضة، حسب بعض التفسيرات، ولا يمكن التخلي عنه، وبين كونه إحدى أدوات التوغل المجتمعي، وهو تماما ما تفعله أغلب جماعات الإسلام السياسي التي ترى تعميمهما نجاحا على التوغل المجتمعي. وتزداد أهميته كلما تم استقطاب رموز ونجوم، يتم توظيفهم للتدليل على جدية ونجاعة الخطاب الإسلامي.

وبالتالي عندما يحدث العكس، أي الارتداد عن خطاب الجماعة والابتعاد عن أدواتها الظاهرة في هذه المجال، وبينها ارتداء النقاب والحجاب واعتزال الفن، يرى المحسوبون عليها أنها فقدت مصداقيتها ومن ثم تأثيرها.

وهذا يحيلنا إلى ما حدث في إيران خلال الثورة الخضراء عام 2009، عندما قررت سيدات الاحتجاج على النظام السياسي الإيراني بخلع حجابهن في دلالة على التحرر، ليس من الدين، لكن من النفوذ وتكبيل الحرية المفروضة من قبل الحكومة التي تتخذ من الحجاب صورة ظاهرية لهيمنتها وقوتها ودليلا رمزيا على سطوتها.

ومثلت حلا شيحة للإخوان صورة مصغرة لأيديولوجيا فكرية مصطنعة حول قيمة الحجاب والنقاب الدينية، لكن في الحقيقة قدمت شكلا ظاهريا لأسلوب فكري امتد من كتابات حسن البنا، مؤسس الجماعة، وهي الرغبة في فرض سيطرة كلية على عقلية مريديه، وكان الحجاب الشكل الرمزي لتلك السيطرة الفكرية، فعندما يتزايد يبدو مكسبا، وإذا تراجع يعد خسارة.

وحدة الفاجعة لا تتوقف على كثافة أو قلة المنخرطين في منظومة الحجاب والنقاب، لكن على عدد الرموز والنجوم الذين دخلوا أو خرجوا، وفي الآونة الأخيرة هناك حالة من النزوح في الاتجاه العكسي الذي أرادته الجماعة، من قبل قطاعات كثيرة من المصريات للتعبير عن النقمة على الإخوان، وليس للتدليل على التهاون في الدين.

الجماعة تجد في من تم استقطابهم دعاية ثمينة لها، بزعم أن الساحة الفنية "مليئة بالفساد وموجهة لمحاربة الإسلام"

واستخدم الإخوان الحجاب على مر العقود كنقطة قوة وهيمنة لا يمكن النقاش حولها أو رفضها كفريضة دينية لا تقبل المساس، وبناء عليه، ظلت دعوات الإخوان بضرورة فرض الحجاب واسعة النطاق ولا تجد من يواجهها في مصر، خاصة بعد نكسة أو هزيمة يونيو عام 1967، والتي روجت فيها جماعة الإخوان والمحسوبون عليها والمتعاطفون معها، أن سببها الابتعاد عن الله وعدم التزام السيدات بالزي الإسلامي، كان نتيجة حتمية لانتصار إسرائيل على مصر.

ولا يخفي الإخوان أن الحجاب يأتي ضمن تلك الأيديولوجية الفكرية القائمة على مبدأ البراغماتية وتحقيق المكاسب، وظهر ذلك جليا عندما تطرق الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر إلى حوار دار بينه وبين مرشد الإخوان وقتها حسن الهضيبي الذي طالبه بضرورة إجبار 10 مليون مصرية بارتداء “الطرح” أي الحجاب.

ورد عبدالناصر بكلمته الشهيرة، والتي نالت تصفيق وضحكات الحضور، قائلا “إحنا (نحن) كده رجعنا لأيام الحاكم بأمر الله، اللّى (الذي) كان بيخلي الناس يمشوا بالليل، أنا رأيي كل واحد في بيته هو اللّي (الذي) ينفذ هذا الكلام”. ولم يقتنع المرشد قائلا “أنت الحاكم وأنت لازم تقول”. فرد عليه عبدالناصر “يا أستاذ أنت لك بنت في كلية الطب ملبستهاش (لم ترتد) طرحة ليه؟ إذا كنت أنت ما لبّستش بنتك الطرحة، عايزني أنا ألبس 10 مليون”.

ولم يستطع الإخوان إخفاء مشاعر الغضب والحقد تجاه الممثلة العائدة من الاعتزال، واعتبروا ذلك خللا واضحا لفهم الدين بشكل عام، وهزيمة ساحقة لهم بشكل خاص، لأن أعضاء الجماعة رأوا في اعتزال حلا شيحة وارتداء النقاب انتصارا ساحقا، ودعوا إلى اتخاذها مثالا لكل بنت مؤمنة اختارت طريق الصلاح والفلاح، وبالتالي من الطبيعي أن يعتبروا خلع النقاب خسارة كبيرة.

واستغل الإخوان الصداقة القوية التي جمعت بين ابنة القيادي الإخواني خيرت الشاطر (خديجة) بالفنانة حلا شيحة لسنوات طويلة، وما جمع بينهما من نشاط دعوي مشترك للترويج لصورة الإخوان كجماعة تهدي إلى الله وتحارب الفتن، وروجوا لقدرة الإخوان على إقناع ممثلة صاعدة وصلت إلى وهج نجاحها عام 2006 بعد مشاركتها الفنان عادل إمام في واحد من أنجح أفلامه “عريس من جهة أمنية” لينتهي بها الحال فجأة إلى الاعتزال والاختفاء النهائي، والارتباط بنشاط جماعة إسلامية منغلقة.

وهو ما جعل عودتها إلى المشهد من جديد وإعلانها الرجوع للتمثيل صدمة كبيرة، ظهرت علاماتها على وجوه الكثيرين، أولهم خديجة الشاطر نفسها التي كتبت عبر حسابها على فيسبوك “حلا، اليوم ذبحني شائعة خلع حجابك، اليوم أحباب الرحمن يبكون، وينفطر قلبهُم حزنا ويقتلهم الأنين، كل حلمهم ألا تكوني ما يقولون، من دونهم أضواء تنتظرك وشياطين، ودنيا فانية وفتن كلها شؤم وبريق خادع، فلتخرجي ولتطلي بحجابك وقلبك الجميل، كل يقيني أنّك لن تضلي أبدا”.

وبلغت ردود فعل قيادات إخوانية إلى ما هو أبعد من ذلك، فعبر الداعية محمد شومان عن صدمته الكبيرة قائلا “كنت اتخذ حلا قدوة لي ولبناتي.. يا حسرة”. بينما ظهر الداعية السلفي محمد الصاوي عبر فيديو مصور يبكي ويدعو الله إلى أن يعيد حلا إلى صوابها.

وكانت الجماعة تجد في من تم استقطابهم دعاية ثمينة لها، بزعم أن الساحة الفنية “مليئة بالفساد وموجهة لمحاربة الإسلام”، وهو ما يتجاهل أن الانحرافات حاضرة في مختلف المجالات خاصة بعد أن رفع الغطاء عن دعاة التجارة بالدين وكشف كم كبير من التناقضات بين ما يدعون إليه من جهة وبين واقع حياتهم الباذخة والفساد الضارب في عمق تصورات وأفكار الإسلام السياسي.

13