ارتفاع الأسعار وجدل الإصلاح في مصر: مصلحة المواطن مصلحة عامة أيضا

الحكومة المصرية تثق في قبضتها الأمنية لحصر تململ الشارع في حدود المسموح به. 
الثلاثاء 2018/06/19
هدوء مثير للقلق

القاهرة - يعود المصريون إلى حياتهم اليومية بعد انتهاء شهر رمضان ومصاريف عيد الفطر، وهم محملون بأسئلة كثيرة حول كيف سيقضون فصل الصيف في ظل ارتفاع كل شيء من حرارة الطقس إلى أسعار المحروقات والكثير من السلع الأساسية التي أعلنت الحكومة، خلال عطلة العيد ونهاية الأسبوع، عن الترفيع فيها.

واستعدت الحكومة المصرية جيّدا لهذه الموجة من الزيادة، واتخذت سلسلة من الاستعدادات خوفا من تحول القلق إلى مظاهرات تجوب الشوارع، وطالبت كل وسائل الإعلام بدعم وتأييد القرارات والسياسات طبقا للمصالح العامة، والتحذير من الكتابات المعادية للسياسات وخطط الإصلاح، وأي إعلامي يخالف المعايير سيتعرض للائحة جزاءات المجلس الأعلى للإعلام.

وأبرمت الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي، نهاية عام 2016، اتفاقا على قرض بقيمة 12 مليار دولار، على مدار ثلاث سنوات. وتعتبر الحكومة أن على المصريين التضحية من أجل تجاوز الأزمة وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، في حين يرد المعارضون للزيادات بأن مصلحة المواطن المصري هي مصلحة عامة أيضا وركيزة الاستقرار.

وتعد هذه الزيادات الثالثة، منذ قرار تحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار أو ما يعرف بالتعويم، في نوفمبر عام 2016. ورفعت مصر في مايو الجاري أسعار تذاكر مترو الأنفاق، كما رفعت أسعار استهلاك مياه الشرب وتعريفة فاتورة الصرف الصحي.

تحذيرات للحكومة المصرية من التمادي في الارتكان إلى الهدوء أو الوعي المجتمعي الذي يتقلص بعد كل قرار يمس لقمة العيش

وحذرت الحركة المدنية الديمقراطية، المسؤولين في الدولة من مغبة “السياسات الجائرة التي تنذر بمخاطر كبيرة، حال عدم تحمل أغلبية الشعب لها، بما يؤدي إلى انفجارات عفوية غير مأمونة العواقب”. وطالب تكتل 25/30 المعارض، الذي يضم 16 نائبا في البرلمان وله توجهات يسارية، برفض منح الثقة للحكومة الجديدة بعد رفع أسعار الوقود، محذرا من “غضب شعبي مكتوم”.

لكن، تبقى تحركات المعارضة المصرية محدودة، لأنها لا تملك أدوات كبيرة للتأثير في الحكومة أو الشارع، فالإمكانيات الكلامية المحدودة لن تساعدها في توصيل صوتها للقطاع الكبير من المواطنين، لأن الحكومة جردتها من الأوراق التي يمكن أن تتحرك من خلالها، فلا يوجد إعلام يدعم المعارضة، ولا توجد صحيفة أو قناة تلفزيونية تجرؤ على استضافة أحد وجوهها.

وعي مكتسب

أكد الخبير الاقتصادي شريف دولار، أن وجود اقتصاد ريعي لا يقوم على الإنتاج لا يمكن أن يحقق نتائج إيجابية. وأوضح لـ”العرب”، أن المصريين يدركون جيدا أنه لا بديل عن السير في الطريق الحالي الذي يتحكم فيه صندوق النقد الدولي المحرك الرئيسي لقرارات رفع الدعم، وأن الخروج إلى الشارع لن يوقف هذه الإجراءات، والأمر لا يرتبط بشخص بقدر ارتباطه باتفاقيات دولية لن ينتهي أثرها مع رحيل النظام أو استمراره.

وتراهن الحكومة المصرية على أن الناس سيتحملون الضغوط الاقتصادية، مهما بلغت حدتها، لأنهم يريدون الحفاظ على استقرار بلدهم، وهم يرون ما يحصل في العراق وسوريا واليمن وليبيا. الثقة الشديدة التي تبدو عليها الحكومة المصرية، جعلتها لا تأخذ بجدية العبرة التي انطوت عليها احتجاجات الأردن الشهر الماضي، ودفعت إلى التراجع عن فرض ضرائب جديدة، وتغيير حكومة هاني الملقي.

ويرد المسؤولون المصريون على كل من يقارن بين القاهرة وعمان، بأن الأردن غير مصر. في الأردن حركة نقابية كبيرة ونشطة، تمسك بزمام الأمور في العمل النقابي، بينما في مصر تآكلت النقابات وفقد العمل النقابي بريقه المجتمعي والسياسي.

ارتفاع المواد الأساسية
ارتفاع المواد الأساسية

وقال حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن الخلاف الأساسي بين مصر والأردن يرتبط بقدرة الأذرع الداخلية والخارجية على تحريك المظاهرات، في ظل مرور الدولتين بضغوط سياسية إقليمية متشابهة لتمرير صفقة القرن الخاصة بتسوية القضية الفلسطينية التي ترتبط بالأمن القومي لكل من مصر والأردن.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن وعي المصريين بعد أن عانوا لسنوات من حالة انهيار شديدة على المستويات الاجتماعية والسياسية والأمنية، يدفعهم إلى تقديم المصلحة العامة على مصالحهم الضيقة حتى الآن، بالإضافة إلى اقتناع البعض منهم بوجود أمل في مستقبل أفضل، حتى وإن كان من نصيب الأجيال القادمة.

ولدى الحكومة المصرية قناعة كبيرة بأنها نجحت في فرض قبضتها الأمنية وإرادتها السياسية ورؤيتها الاقتصادية، وهي على ثقة بأن الأجنحة الرئيسية التي كانت تحرك الشارع تم “قصها” عبر حزمة من الإجراءات خلال السنوات الماضية، مستفيدة من الدروس والعبر التي خلّفتها التظاهرات والاحتجاجات التي بدأت يوم 25 يناير 2011 وما تلاها من تداعيات.

لكن، يحذر متابعون من التمادي في الارتكان إلى الهدوء أو الوعي المجتمعي الداخلي الذي يتقلص بعد كل قرار يمس لقمة العيش، وهو ما ينعكس في اتساع دائرة الصخب المصاحب لقرارات زيادة الأسعار من دون أن يتحول إلى فعل حقيقي في الشارع، وهو أمر قابل للحدوث بسهولة في حال استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، فلا يمكن الرهان على مواصلة الهدوء مستقبلا.

الترفيع في تعريفة المترو
الترفيع في تعريفة المترو

واستبعد هؤلاء خروج تظاهرات منظمة، لكنهم شددوا على خطورة حدوث انتفاضة عشوائية، قد تكون أخطر من أي احتجاجات، لأن تداعيات التلقائية يمكن أن تتسبب في خسائر كبيرة، وهو ما تتخوف الحكومة من وقوعه، فهي لن تستطيع فرض سيطرتها على أي خروج عفوي واسع.

ورصدت “العرب”، حالة غريبة من التذمر لدى المصريين في أماكن مختلفة. ففي زيادات الأسعار السابقة، كانت الغالبية تلتزم الصمت وتؤمن بأهمية فضيلة الصبر الذي تنصح به الحكومة، أملا في تغيير الأحوال، وجني ثمار المشروعات التي يتم تشييدها في مناطق كثيرة.

وقالت زينب عبدالباقي، ربة منزل، “لدي خمسة أولاد ومعاش زوجي 1700 جنيه (نحو مئة دولار)، ولا أستطيع تلبية احتياجاتهم الأساسية، حتى أنني أفكر في بيع أحد أبنائي”. وأوضحت أنها أصبحت عاجزة عن تقبل التصريحات “المعسولة” للمسؤولين، فقد وعدوا بحدوث انفراجة خلال الفترة الماضية، لكن ما حدث هو المزيد من الزيادات المتعاقبة التي يعجز الناس عن تحملها.

6