ارتفاع الأصوات من داخل العراق: الظروف غير مهيأة للانتخابات

إجراء الانتخابات البرلمانية العراقية القادمة في موعدها، ليس مبعث تفاؤل، مثلما تروّج لذلك الجهات المرشّحة للاستفادة سياسيا من تلك المناسبة. بل هو على العكس من ذلك، مدعاة للتشاؤم في ظل وجود جزء هام من الكتلة الناخبة في حالة تشرّد وفقر يمنعانها من التعبير عن إرادتها بحرية.
الخميس 2017/12/14
ما الذي يحفزها على الانتخاب

بغداد - يروّج الخطاب الرسمي العراقي للالتزام بالموعد المقرّر للانتخابات النيابية القادمة والمحدّد بشهر مايو من السنة المقبلة، باعتباره إنجازا وتحدّيا لمعوّقات بسط الأمن وفرض الاستقرار، وتطبيع الأوضاع في مرحلة ما بعد الحرب على تنظيم داعش، فيما ترى قوى وأطراف شريكة في العملية السياسية، أنّ الظروف غير مهيّأة لإجراء الانتخابات في ذلك الموعد، خصوصا في ظلّ الأوضاع بمناطق شمال البلاد وغربها حيث دارت أغلب فصول الحرب، وخلّفت عددا كبيرا من القرى والمدن المدمّرة وشبه الخالية من سكانها الذين لا تزال أعداد كبيرة منهم مشرّدة في مَوَاطن النزوح.

ويقول المعترضون على إجراء الانتخابات في موعدها إنّ سكان تلك المناطق، وغالبيتهم العظمى من أبناء الطائفة السنيّة، غير مهيّئين للمشاركة في مناسبة سياسية بهذه الأهمية، وأنّ أوضاعهم المعيشية الصعبة ستؤثّر دون شكّ في سير العملية الانتخابية ونتائجها، سواء لجهة نسبة المشاركة، وحتى النتائج.

واعتبر رئيس لجنة الهجرة والمهجرين النيابية رعد الدهلكي، الأربعاء، أن مباركة الأمم المتحدة لإجراء الانتخابات العراقية في موعدها المحدد “أمر مجحف”، داعيا المنظّمة ومعها حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى معالجة مأساة النازحين من خلال إعادتهم إلى محافظاتهم وبناء وإعمار مدنهم قبل الشروع بتحديد أيّ توقيتات زمنية للانتخابات.

وتُظهر أحدث الأرقام المنشورة من قبل الأمم المتحدة، وجود ما يقارب الثلاثة ملايين عراقي لا يزالون مقيمين في المناطق التي نزحوا إليها فرارا من الحرب ضدّ داعش.

وأعلنت الوكالة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، الأربعاء، أنّ حوالي 2.8 مليون نازح عراقي عادوا إلى مناطقهم التي نزحوا عنها منذ العام 2014، مستدركة بأنّ حوالي 2.9 مليون شخص لا يزالون في مَوَاطن النزوح.

وتظهر التقارير الإعلامية، أن العائدين من النازحين يحيون ظروفا لا تقل سوءا عن ظروف العيش في مخيمات النزوح، نظرا لانعدام الخدمات الأساسية، وندرة موارد الرزق، وعدم استقرار الأوضاع الأمنية.

رعد الدهلكي: إعادة النازحين وإعمار المناطق المدمرة أولى من إجراء الانتخابات

ويولي المتابعون للشأن العراقي، أهمية استثنائية للانتخابات القادمة باعتبارها ستكون الأولى بعد الحرب الدامية التي خاضها العراق ضدّ تنظيم داعش على مدار أكثر من ثلاث سنوات، وعليها تُعلّق بعض الآمال في أن تساهم في إحداث النقلة المرجوّة، على الأقلّ في تغيير القيادات السياسية التي جرّت البلد إلى أوضاعه الكارثية اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا.

وعلى العكس من ذلك يرى المعترضون على إجراء الانتخابات بعد أشهر قليلة من حسم الحرب على داعش، أنه سيكون عاملا مكرّسا للأوضاع التي كانت قائمة قبل الحرب، بل عودة ذات الوجوه التي قادت البلد خلال الفترة الماضية.

ويقول هؤلاء إنّ إجراء الانتخابات في المناطق المدمّرة وفي مخيمات النزوح سيعني استثناء كتلة انتخابية مؤثرة في النتائج، وفي أقلّ الأحوال تزييف إرادتها ككتلة هشّة طيّعة للضغط والابتزاز بحكم ظروفها المعيشية.

وأغلب المعترضين على إجراء الانتخابات العراقية في مايو القادم، هم من السياسيين وقادة الرأي السنّة، فيما المتحمّسون للحفاظ على الموعد هم من أبناء العائلة السياسية الشيعية المهيمنة أصلا على مقاليد الحكم في البلاد.

ويقول المعترضون إنّ التنافس الانتخابي القادم سيكون شيعيا-شيعيا، فيما أصوات السنّة ستكون هامشية وعديمة التأثير.

وقال الدهلكي النائب عن اتحاد القوى، الأربعاء في بيان، إنّه “في الوقت الذي تتعاظم فيه مأساة النازحين وفي ظل عدم اكتراث الجهات الحكومية بما تعانيه تلك الشريحة تنبري إلينا الأمم المتحدة لتؤكّد أنها مع إجراء الانتخابات في موعدها المحدد”، مضيفا “كان من الأولى على الأمم المتحدة أن تعالج قضية إعادة النازحين إلى مناطقهم ومدنهم ومعالجة قضية الفصائل المسلحة التي تسيطر على بعض المحافظات ليتمكنّ مواطنوها من المشاركة في الانتخابات المقبلة، أما في ظل الظروف والمعاناة التي يتعرض لها النازحون وعدم الاكتراث بهم فسيدفع المكوّن (السنّي) بأكمله إلى عدم المشاركة في الانتخابات كونه سيشعر بأن الحكومة والمنظمات الدولية الإنسانية لا تعير له أهمية، فلماذا يشارك ويعطي صوته لمن لا يستحق؟”.

وتساءل الدهلكي في ذات البيان “لو تعرضت أي دولة إلى ما تعرضت له محافظاتنا التي احتلها داعش، هل ستجبر تلك الدول شعوبها على إجراء الانتخابات أم ستتم معالجة أوضاعها قبل الشروع في أي خطوة يراد منها تطبيق الدستور الذي يؤكد على إجراء الانتخابات كحق للمواطن لاختيار من يمثله بشكل حقيقي؟”.

ودعا الدهلكي حكومة بغداد والأمم المتحدة إلى أن “تصب جل اهتمامها بالنازحين ومعالجة مأساتهم من خلال إعادتهم إلى محافظاتهم وتوفير الأجواء الآمنة لهم وإعادة بناء وإعمار مدنهم قبل الشروع بتحديد أي توقيتات زمنية لإجراء الانتخابات المقبلة”.

وليست قضية النزوح وأوضاع سكان المناطق المدمّرة، هي فقط ما يثير اعتراضات سنّة العراق على التعجيل بإجراء الانتخابات، ولكن توجد قضية لا تقلّ خطورة وتتمثّل في وقوع العديد من المناطق السنيّة تحت سيطرة الميليشيات الشيعية المنتمية للحشد الشعبي والتي شاركت في طرد داعش في تلك المناطق ولا تزال تحتل الأراضي التي أخلاها التنظيم.

واعتبر تحالف القوى العراقية، الذي يعلن نفسه ممثّلا سياسيا لسنّة العراق، أن البيئة المناسبة لإجراء الانتخابات البرلمانية تتطلب سحب القوات غير الرسمية (في إشارة إلى الميليشيات) من المدن وتسليمها للقوات الأمنية المحلية إضافة إلى العودة الكاملة للنازحين إلى مدنهم.

وقال التحالف الذي يمتلك 53 مقعدا من إجمالي مقاعد البرلمان الـ328 في بيان “يجب انسحاب القوات غير الرسمية من المدن وتسليمها للقوات الأمنية المحلية لضمان انتخابات نزيهة يعبر من خلالها المواطنون عن آرائهم بكل حرية ودون تأثير، وبخلاف ذلك يرى التحالف عدم إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها المحدد”.

وكثيرا ما اعتبر قادة تحالف القوى إجراء الانتخابات البرلمانية في مايو القادم أمرا مستحيلا، مشيرا إلى أن إجراءها في ذلك التاريخ سيؤدي إلى حرمان معظم أبناء المحافظات المستعادة من داعش من المشاركة.

3