ارتفاع الأمية من أكبر تحديات المنظومة التعليمية في تونس

التقصير والتراخي الحكومي والسياسات التعليمية الفاشلة قادت إلى ارتفاع الأمية في تونس خاصة في ظل تراجع الاهتمام بالتمويلات المخصصة لتعليم الكبار.
الأربعاء 2020/11/11
كلما ازدادت معدلات الفقر ازدادت معها نسب الأمية

يدق خبراء التعليم في تونس ناقوس الخطر بعد تواصل ارتفاع نسب الأمية في البلاد وذلك بشكل غير متساو بين المدن الداخلية، ما يعكس فشل سياسات التعليم منذ اندلاع ثورة يناير 2011 في تطويق الظاهرة ومعالجة مشاكل الانقطاع المدرسي الناجمة أساسا عن تردي الأوضاع الاجتماعية. وتشكل مقاومة الأمية عبئا يثقل كاهل الحكومة المطالبة بمراجعة سياساتها في التعليم بتحسين جودته لتعيد إلى القطاع ألقه الذي عُرف به.

تونس- تشهد نسبة الأمية في تونس ارتفاعا مقلقا، رغم الجهود الحكومية لوأد هذه الظاهرة التي تفاقمت بشكل ملحوظ منذ اندلاع ثورة يناير 2011.

وعلى الرغم من سن الحكومات المتعاقبة برامج لمقاومة الأمية والتخفيض من نسبها مثل برامج تعليم الكبار، تؤكد إحصائيات أخيرة تواصل ارتفاع الأمية، ما يعكس فشل الخطط الحكومية في الحد من هذه الظاهرة.

وذكرت أرقام جديدة للمعهد الوطني للإحصاء (حكومي) أصدرها مؤخرا أن نسبة الأمية لدى الإناث والذكور في الوسط البلدي بلغت خلال العام الماضي 12.9 في المئة، مشيرا إلى أن نسبتها ارتفعت بشكل أكبر إلى 29.5 في المئة في الوسط غير البلدي.

وحسب المعهد تنخفض نسبة الأمية، كلما انخفض معدل الأعمار حيث تناهز 2.8 في المئة لدى الفئات التي تتراوح أعمارها بين 10 و14 سنة، في حين ترتفع إلى 79.8 في المئة بالنسبة لكبار السن (80 سنة فما فوق).

ويشكل ارتفاع الأمية تحديا بالنسبة لمنظومة التعليم في تونس، التي تواجه صعوبات في ظل غياب الإصلاحات الجذرية وتراجع الموازنة المالية المخصصة للتعليم. وترتبط متاعب قطاع التعليم بتدهور البنية التحتية ونقص المدرسين، على غرار تفشي ظاهرة الانقطاع المبكر.

كما أسهم عدم الاستقرار السياسي منذ اندلاع الثورة في تضارب البرامج التعليمية، بالمقابل ظلت المناطق الريفية والتجمعات السكنية الفقيرة خاضعة للتهميش، وهو ما سبب عزوف الكثير من الناس عن تدريس أطفالهم. كما عجز الفقراء عن تحمل تكاليف التمدرس.

ومع تواصل ارتفاع الأمية في بلد عرف برهانه على قطاع التعليم منذ الاستقلال، يبدي التونسيون تذمرا من عجز الحكومة على محاربة هذه الظاهرة التي تهدد مكاسب التعليم في البلد.

واتسم مستوى التعليم في تونس بالجودة حتى مطلع تسعينات القرن العشرين، حيث أنفقت تونس مبالغ ضخمة من الميزانية العامة على بناء المرافق المدرسية وتجهيزها وصيانتها وتطويرها، كما أنفقت على تطوير المناهج، لكن الأحداث السياسية والاجتماعية التي تلت ثورة يناير ومرحلة الانتقال الديمقراطي الصعبة، كانت لها تداعيات وخيمة على القطاع، حيث أثّرت على مدى انضباط وتفاني الكوادر التعليمية وعلى نجاعة برامج الإصلاح، وهو ما فاقم نسب الأمية.

تراخ حكومي

تونس

يرى الخبراء أن التقصير والتراخي الحكومي والسياسات التعليمية الفاشلة قادت إلى ارتفاع الأمية في تونس، خاصة في ظل تراجع الاهتمام بالتمويلات المخصصة لتعليم الكبار، حيث لم تتلق هذه البرامج الدعم المطلوب.

ويرجع رضوان فارسي المختص في علم الاجتماع في حديثه لـ”العرب” ارتفاع نسق هذه الظاهرة في بلد عرف برهانه على التعليم منذ استقلاله، إلى “غياب الإرادة السياسية من حيث دعم البرنامج الوطني لتعليم الكبار”.

ومن أهم المؤشرات لارتفاع نسبة الأمية، حسب رأيه، هو عجز المنظومة التربوية التونسية عن احتواء جميع فئات التلاميذ وكثرة الرسوب الذي إذا تراكم أدّى إلى ظاهرة الانقطاع المدرسي. وتبلغ حصيلة المنقطعين عن الدراسة ما يقارب 120 ألف منقطع سنويا، وفق أرقام حكومية.

وتكشف إحصائيات رسمية أن أكثر من 6 تلاميذ من بين كل 10 يلتحقون سنويا بمقاعد الدراسة سوف يغادرونها قبل بلوغ مستوى الباكالوريا و300 تلميذ يغادرون مقاعد الدراسة يوميا بشكل نهائي.

ويعتقد الفارسي أن “المكتسبات التربوية ضعيفة جدا مما يجعل الأطفال المنقطعين عن التعليم يعانون من صعوبات التعلم وعدم القدرة على الكتابة والقراءة”.

وعلى الرغم من النظرة السوداوية في ما يخص واقع التعليم في تونس، فإن الفارسي يرى أن “بعض القرارات الجريئة التي صدرت عن وزارة الشؤون الاجتماعية بإفراد محو الأمية بمركز وطني لتعليم الكبار وتمتيعها باستقلالية مالية قد تؤدي إلى تغيير الصور النمطية للإدارة العادية، وقد تسهم في إنجاح جهود استقطاب الأميين والعمل على مساعدتهم بيداغوجيا وتربويا”.

وتعول الحكومة التونسية للحد من الأمية على تنفيذها للبرنامج الوطني لتعليم الكبار رغم أنه لا يستقطب سنويا إلا 21 ألف منتفع في ظل تهرب عشرات الآلاف من التلاميذ من مقاعد الدراسة سنويا.

 ويبلغ عدد مراكز تعليم الكبار ومحو الأمية 950 مركزا في تونس ويتولى تقديم الدروس فيها 1200 مدرس. وكانت الحكومة التونسية قد افتتحت “جامعة تونس للتعلم مدى الحياة والمركز الوطني لتعليم الكبار” في ديسمبر عام 2019.

وذكر وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي آنذاك، أن “مركز تعليم الكبار إضافة إلى الدور الذي يلعبه في مجال محو الأمية سيسعى أيضا إلى تكوين المتعلمين في عدة مهارات وحرف مما سيمكنهم من بعث مشاريعهم الخاصة”.

مع ذلك تشكو برامج تعليم الكبار من نقص التمويل وضعف الإمكانيات، حيث وقع تخفيض الميزانية المخصصة لتمويل برامج تعليم الكبار سنة 2013 من نحو 13 مليون دينار إلى 3 ملايين دينار بذريعة ترشيد النفقات العمومية.

نقص التمويل

الفقر من الأسباب الرئيسية لانقطاع التلاميذ سنويا عن مقاعد الدراسة
الفقر من الأسباب الرئيسية لانقطاع التلاميذ سنويا عن مقاعد الدراسة

يؤكد الخبراء أن التقليص من نسب الأمية في ظل محدودية الإمكانيات ومشاكل قطاع التعليم الذي تأثر بدوره جراء المناخ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المأزوم بمثابة تحد وعبء يثقلان كاهل الحكومة المطالبة بالاستجابة لتطلعات وآمال الشارع. ويطالب التونسيون بتحسين جودة التعليم والنأي بالقطاع عن الصراعات والتجاذبات السياسية.

ولطالما حمّل الشارع مسؤولية تردي قطاع التعليم وانتشار الأمية والارتفاع المخيف لظاهرة الانقطاع المدرسي إلى الأحزاب الحاكمة لانشغالها بالمكاسب الانتخابية على حساب القضايا الحقيقية. كما سبق وأن ندد بالمطالب النقابية للقطاع التي أثّرت على سير الدروس طيلة العام الماضي. ورفع الأولياء شعار “أبناؤنا خط أحمر” رفضا لتعليق الأستاذة الدروس كوسيلة ضغط مقابل تحسين رواتبهم.

ويلفت جلال التليلي الأكاديمي والمختص في علم الاجتماع لـ”العرب” إلى أن “الأمية تشكل تحديا بالنسبة للسياسة التعليمية في البلد”. ويشرح بالقول “الدولة وضعت العديد من البرامج بتمويلات محلية وخارجية لأجل مقاومة هذه الظاهرة والتخفيض في نسبها، لكنها واجهت جملة من المشاكل”.

ويتابع “مشكلة التمويل لم تكن بشكل دائم ومستمر والمشكلة الثانية تنظيمية تتمثل في كيفية إدارة هذه البرامج من حيث البنية التحتية والفضاءات والكادر العامل في مجال رفع الأمية أي المدرسين”.

ويلاحظ التليلي أن نسب الأمية موزعة بشكل غير متساو بين الجهات، كما ترتبط بالمستوى الاجتماعي، حيث ترتفع الأمية لدى أغلبية المهمشين وفقراء الأرياف والجماهير المتكدسة في الأحياء الشعبية بينما تنخفض نسبة الأمية لدى الطبقات الوسطى والمرفهة.

سياسات التعليم في تونس بحاجة إلى مراجعة
سياسات التعليم في تونس بحاجة إلى مراجعة

ولم يشر المعهد الوطني للإحصاء إلى توزيع نسبة الأمية حسب الجهات، لكن حسب الإحصائيات التي نشرها المعهد في سنة 2018 حول نسبة الأمية تصدرت ولاية جندوبة قائمة الولايات بأعلى نسبة للأمية بـ31.6 في المئة تليها ولاية القصرين بنسبة 30.2 في المئة ثم ولاية سليانة بنسبة 29 في المئة. ويحذر من أن الأمية في تزايد في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ويلاحظ الخبراء تراجع صورة المتعلم في عيون المجتمع، في ظل عجز الدولة عن إيجاد فرص عمل للخريجين. فظهرت جيوش من حاملي الشهادات العليا الذين يعانون من البطالة والتهميش.

وحسب وزارة الشؤون الاجتماعية، ينحدر 90 في المئة من التلاميذ المنقطعين عن الدراسة سنويا من العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل، وتوصلت إلى أن حدة الظروف الاجتماعية والفقر، من الأسباب الرئيسية لمغادرة عشرات الآلاف من التلاميذ سنويا مقاعد الدراسة في البلد، حيث أن نسبة الفقر في أوساط الأطفال بلغت 25 في المئة مقابل 15.2 في المئة كمعدل وطني لجميع الفئات العمرية.ويشير التليلي إلى ارتفاع نسبة الأمية لدى النساء مقارنة بالرجال خاصة في الأرياف، وتجاوزت الأمية في صفوف النساء نسبة 37 في المئة عموما و52 في المئة في بعض الولايات مثل ولاية القيروان، حسب تقارير محلية.

ويربط بعض المتابعين أمية النساء بالأوساط المتشددة التي كانت تعتبر التعليم جزءا من منظومة “الفساد الأخلاقي” فحاربت التعليم والتثقيف التنويري واعتبرت أن المرأة مكانها في البيت وليس في مقاعد الدراسة.

كما يلاحظ التليلي أن الأمية لم تعد تقتصر على كبار السن بل تشهد ارتفاعا مخيفا في صفوف الأجيال الجديدة، بسبب ارتفاع الانقطاع المبكر عن الدراسة، وهي ظاهرة تشكل خطورة كبيرة حسب تقديره. ويتابع “نعاني من ارتفاع الأمية لدى الأطفال في تونس خاصة أطفال الأحياء الشعبية بسبب الانقطاع المبكر عن الدراسة وهو أمر خطير جدا”.

وحسب التليلي، فإنه على الرغم من إجبارية التعليم ومجانيته، فإن المؤسسات التربوية غير قادرة على احتضان جميع الأطفال المنقطعين عن الدراسة وإدماجهم مرة أخرى في المحيط المدرسي.

وسبق أن حذر تقرير مشترك نشر سابقا بين منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” والبنك الدولي من أن 25 في المئة من أطفال تونس فقراء، وأن هنالك فوارق جهوية كبيرة في نسبة الفقر، الأمر الذي انعكس على عملية التمدرس.

بلغت نسبة الفقر في أوساط الأطفال 25 في المئة مقابل 15.2 في المئة كمعدل وطني لجميع الفئات العمرية

وحذرت اليونيسف من أن مقاومة الانقطاع المدرسي من أكبر التحديات التي على تونس رفعها. ويلفت الخبراء إلى أن الحكومات المتعاقبة ركزت على مكافحة الأمية الأبجدية التي تهتم بالكتابة والقراءة، في حين وقع التغاضي عن أشكال جديدة من الأمية وهي الأمية الرقمية والوظيفية، حسب مقاييس العالمية.

ويقول التليلي “العالم يتحدث عن أنواع جديدة من الأمية وهي الأمية الوظيفية التي تشمل كل شخص لا يستفيد من تخصصه الدراسي، إضافة إلى الأمية الرقمية التي تشمل الأجيال الجديدة وتشكو من تمايزات في الاستفادة منها”. ويخلص بالقول “الأشكال الجديدة من الأمية بمثابة تحديات مستقبلية، على الحكومة الانتباه لها   ومواجهتها”.

ويستنتج الخبراء أن نسب الأمية مرشحة إلى الزيادة في حال لم يقع تدارك أخطاء السياسة التعليمية في البلد، داعين إلى ضرورة التركيز على الجانب التوعوي بأهمية الالتحاق بمراكز تعليم الكبار بالنسبة للمنقطعين عن الدراسة، وتوعية النساء الريفيات بأهمية التعليم وتحفيزهن عبر برامج إحاطة اجتماعية ودعم مالي، كما يشدد هؤلاء على ضرورة مقاومة الأمية الرقمية في ظل توجه عالمي نحو التعليم عن بعد على خلفية القيود المشددة التي فرضتها أزمة وباء كورونا المستجد.

12