ارتفاع حالات الانتحار في تونس يترجم خيبة أمل في شعارات الثورة

آمال التونسيين بعد الثورة تصطدم بواقع قاس. ولعل انتشار ظاهرة الانتحار كان ناجما عن صدمة في نتائج ما بعد الثورة التي علق عليها التونسيون كل آمالهم لتحسين أوضاعهم الاجتماعية والمعيشية. ويبقى الأمل معلقا على خطة حكومة يوسف الشاهد لتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي كمدخل لتطويق الظاهرة.
الجمعة 2016/11/18
الانتحار شكل احتجاجي

تونس - فتحت ثورة الحرية والكرامة، كما يحب التونسيون تسميتها، الباب على مصراعيه أمام أحلامهم بوضع اجتماعي مستقر يضمن لهم الحد الأدنى من عيش كريم، ولكن تلك الأحلام والآمال اصطدمت بواقع صعب وقاس أثبت بشكل جلي أن تحقيقها أمر شبه مستحيل.

وكانت هذه الآمال قد تغذت من الشعارات التي رفعت مباشرة بعد الثورة والتي كان مصدرها تيارات شعبوية وثورية لم تكن في الأصل من المشاركين في الاحتجاجات الاجتماعية بل ظهرت فقط بعد مغادرة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي واستغلت غضب الشارع لتبرز “ثورجيتها” التي أخفت نوايا سياسية. ولعل انتشار ظاهرة الانتحار بشكل كبير كان ناجما عن صدمة في نتائج ما بعد الثورة.

وقال محللون إن الأمل معلق على قدرة حكومة يوسف الشاهد اختراقا حقيقيا في الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، والحد من نسبة البطالة، وزرع الأمل بين الشباب لتطويق ظاهرة آخذة في الاتساع.

وأكد تقرير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، غير الحكومي، ارتفاع حالات الانتحار ومحاولات الانتحار لتصل إلى 219 خلال الشهرين الماضيين بسبب استمرار تردي الأوضاع الاجتماعية.

وأوضح عبدالستار السحباني، عضو المنتدى، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد الأربعاء لعرض التقرير، أن حالات الانتحار ومحاولات الانتحار في شهر سبتمبر تعدت سقف 100 حالة، وفي أكتوبر بلغت 119، وأضاف “هو رقم مفزع”.

وقال السحباني إن ارتفاع العدد يعود إلى “استمرار تردي الوضع الاجتماعي في تونس وفي مقدمته البطالة، التي تصل إلى 16 بالمئة، والفقر الذي وصل إلى 24 بالمئة، وغيرهما”.

وأشار إلى أن “ظاهرة الانتحار أخذت شكلا جديدا وهو محاولات الانتحار الجماعي التي تمثل ثلث إجمالي الحالات”. وتابع قائلا إن “البعض من الحالات قد مرت من مرحلة التهديد إلى الممارسة وهو تطور خطير”.

وأوضح عضو المنتدى أن “عدد الاحتجاجات الفردية والاجتماعية في الشهرين المذكورين قد ارتفع ليتجاوز 1770 حالة في مختلف محافظات البلاد”.

وتعاني تونس في السنوات الأخيرة من وضع اجتماعي صعب في ظل ارتفاع نسب البطالة وتباطؤ نسب النمو التي لم تتجاوز 1 بالمئة خلال هذا العام.

وارتفع عدد حالات الانتحار منذ الثورة التي بدأت بحرق البائع المتجول محمد البوعزيزي لنفسه. وأصبح الأمر يثير القلق نظرا لانتشار هذه الظاهرة بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة في تونس. ولكن في نفس الوقت بات الانتحار يمثل نوعا من التحرك الاحتجاجي ضد أوضاع متردية في البلاد.

ولم يكن انتحار محمد البوعزيزي الأول من نوعه في تونس، بل إن الظاهرة بدأت “منذ أكثر من عشر سنوات”، بحسب ما تقول فاطمة الشرفي الأخصائية في الطب النفسي.

وترأس فاطمة الشرفي لجنة لمكافحة الانتحار أسستها وزارة الصحة في 2015 بعدما دق اختصاصيون “جرس الإنذار” أمام استفحال الظاهرة. وتتمثل مهام اللجنة في وضع استراتيجية وقائية وسجل وطني يتضمن إحصاءات حول الانتحار، وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

يشار إلى أنه، في العام 2015، انتحر في تونس التي يقطنها نحو 11 مليون نسمة حوالي 365 شخصا أي ما يعادل 3.27 حالة انتحار لكل مئة ألف نسمة، وفق اللجنة. ويشكل الشباب نصف المنتحرين حيث تتراوح أعمارهم بين 30 و39 عاما.

وترى فاطمة الشرفي في ارتفاع حالات الانتحار “المستمر” أمرا “خطيرا جدا”، رغم أن الأمر في تونس بعيد عن النسب المرتفعة المسجلة في بلدان أخرى.

ويصعب قياس مدى هذا الارتفاع بما أن السجل الوطني لمعدلات الانتحار ليس موجودا بعد، إلا أن فاطمة الشرفي تقول “عندما نقارن بيانات البعض من مصالح الطب الشرعي للسنوات 1990 و2000 وبعد سنة 2010، نلمس هذا الارتفاع”.

يذكر أن البائع المتجول محمد البوعزيزي (26 عاما) أحرق نفسه يوم 17 ديسمبر 2010، أمام مقر محافظة سيدي بوزيد، وسط غرب تونس، بعدما سكب على جسمه البنزين، احتجاجا على مصادرة الشرطة عربة الفواكه التي كان يقتات منها، ليتوفى متأثرا بحروقه.

وارتفعت نسبة حالات الانتحار حرقا بعد الثورة، تحت ما أصبح يطلق عليه المختصون “تأثير البوعزيزي”.

ومثل الانتحار حرقا في 2015 نسبة أكثر من 15 بالمئة من مجموع حالات الانتحار مقابل نحو 60 بالمئة للانتحار شنقا و6.5 بالمئة للانتحار بتناول الأدوية.

وبرزت، في السنوات الأخيرة، ظاهرة التهديد أو محاولة الانتحار حرقا، سواء بشكل فردي أو جماعي، خصوصا في صفوف خريجي الجامعات العاطلين عن العمل الذين يطالبون بوظائف. وكانت هذه الفئة من الشباب واحدة من الفئات الأكثر تأملا مما ستحمله لها فترة ما بعد الثورة من تحقيق لمطالبها وتحسينا لأوضاعها كما وعدت بذلك الشعارات التي رفعت بداية العام 2011 مباشرة بعد سقوط نظام بن علي.

وقالت فاطمة الشرفي “كنا ننتظر تسجيل بداية انخفاض في حالات الانتحار حرقا سنة 2015، لكنها بقيت مستقرة منذ 2011”.

ويأتي الانتحار دائما بسبب تراكم العديد من العوامل، ويكون في الغالب إثر الإصابة بأمراض نفسية مثل الاكتئاب. وقال عبدالستار السحباني، في تصريحات سابقة، “طبعا الانتحار مرتبط بالمشكلات السوسيو-اقتصادية ونتيجة لفقدان الأمل”.

وأفاد مهدي بن خليل، الطبيب المساعد في مستشفى شارل نيكول والذي شارك في تأليف دراسة حول تأثير الثورة على الانتحار في تونس، أن البلاد شهدت ارتفاعا في حالات الانتحار بين 2011 و2012، ثم تم تسجيل “تراجع طفيف” في 2013، لتعرف الظاهرة “ذروة ثانية بداية من 2014”، أرجعها الدكتور بن خليل إلى صعوبة “فترة الانتقال” السياسي وتأثير “أزمة الاقتصاد على الأفراد”. وأشار إلى أن العاطلين عن العمل أو الذين يعيشون “صعوبات مالية” هم من بين الذين يقدمون على الانتحار.

4