ارتفاع حالات الطلاق.. أزمة جديدة تهدد العراقيين

شكلت الإحصائية التي أطلقها مؤخرا مجلس القضاء الأعلى، حول ارتفاع حالات الطلاق في العراق إلى أكثر من 4 آلاف حالة خلال شهر يونيو الماضي فقط، صدمة كبيرة للمسؤولين ولا سيما مع تصاعدها خلال السنوات العشر الأخيرة، ما دفع قضاة وخبراء في علم الاجتماع إلى التحذير من خطورة تلك الظاهرة على تماسك المجتمع، وقد أرجعوا أسبابها إلى تأثيرات اجتماعية واقتصادية وظهور تنظيم “داعش”.
السبت 2016/08/20
ارتفاع نسب الطلاق يهدد البنية المجتمعية العراقية

بغداد - ‎بعد مسح ميداني ولقاءات متعددة مع المعنيين من قضاة وخبراء ومؤسسات غير حكومية، لوحظ ازدياد نسبة الطلاق لدى مختلف الفئات العمرية سواء كان زواجا مبكرا أو قديما، نتيجة عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية عرفها العراق في السنوات الأخيرة، ومعها تفاقمت ظاهرة الطلاق حيث تعرضت الكثير من الأسر للتفكك مما أدّى إلى إلحاق العديد من الأضرار بالمجتمع وبُناه.

الباحثة الاجتماعية ندى العابدي، قالت للأناضول إن “الحروب المتعددة التي عاشها المجتمع العراقي وخاصة الحرب الأخيرة ضد تنظيم داعش، كان لها تأثير واضح على تفكك البنية الاجتماعية، وغياب الهوية الوطنية، وانتشار حالات الفساد الإداري، وتراجع القيم الإنسانية والتربوية، كل ذلك أسباب تقف وراء ارتفاع نسب الطلاق داخل المجتمع، ما يعد تهديدا للبنية المجتمعية العراقية”.

وأضافت العابدي أن “دخول الفضائيات والمسلسلات الأجنبية إلى بيوت العراقيين بما تضمنته من أفكار وأحداث، جعل من الطلاق ظاهرة عادية، فضلا عن حالات الخيانة الزوجية ضمن أحداث الأفلام والمسلسلات التي تأثرت بها البعض من الأسر فطبقتها على أرض الواقع، وأصبحت حالات الطلاق ظاهرة خطيرة لها تهديداتها ولا سيما بين الفئات التي تتراوح أعمارها بين 28 و38 سنة”.

أسباب أخرى لارتفاع نسب حالات الطلاق لفتت إليها الباحثة الاجتماعية من بينها “الزواج المبكر حيث الهدف منه هو إشباع الرغبات الجنسية، وكذلك مرور المجتمع بوضع خطر متمثل في الانحدار الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، ما أسفر عنه تفكك أسري سرعان ما أصبح مدعاة للخلافات والنزاعات الزوجية”.

الناشط المدني رائد العزاوي، أكد ما تحدثت عنه العابدي بشأن تأثير ظهور داعش في العراق عام 2014 على ارتفاع حالات الطلاق موضحا بأن “المناطق التي شهدت دخول عناصر التنظيم إليها، شهدت حالات طلاق كثيرة، خاصة بين أزواج مختلفين في المذهب، أي بين السنة والشيعة”، وذلك خوفا من التنظيم المتشدد أو ما أحدثته الحرب من نزوح للأسر وتمزقها.

وأكد العزاوي أن “المحاكم سجلت هذه الحالات، وهي تشكل نسبا تضاف إلى الحالات الأخرى”.

الحروب المتعددة التي عاشها المجتمع العراقي وخاصة الحرب الأخيرة ضد داعش، كان لها تأثير واضح على تفكك المجتمع

أما قاضية دعاوى الأسرة في محكمة الكرخ بالعاصمة بغداد، بيداء كاظم، فقالت إن “كل يوم لدينا قرابة 20 إلى 50 حالة طلاق في محكمة واحدة بسبب الانفتاح الذي بدأ يشهده هذا البلد بعد 2003 (الغزو الأميركي) والذي قاد بدوره إلى تبدل الكثير من المفاهيم المجتمعية، إذ بات المجتمع مثلا لا يعتبر الطلاق عيبا”.

لقد أصبح ازدياد حالات الطلاق والتفريق القضائي ظاهرة في المجتمع، حسبما أفاد قاضي الأحوال الشخصية في محكمة الكرخ، سعد محمد عبدالكريم، حيث “احتلت قضايا الطلاق في السنوات الثلاث الأخيرة مركز الصدارة بين الدعاوى الشرعية أمام محاكم الأحوال الشخصية”، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن “القانون يحتوي على مرونة وثغرات تساهم في التسريع بحالات الطلاق وطلب التفريق القضائي”.

وبين عبدالكريم قائلا “من تلك الأسباب القانونية الأساسية أن المادة 39 من قانون (الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل) تنص على وجوب إقامة الدعوى في المحكمة الشرعية، لمن يريد الطلاق والحصول على حكم به، إلا أننا نجد أن الظاهر والأغلب هو إيقاع الطلاق خارج المحكمة غيابيا أو الطلاق الرضائي (الخلع)، وهو أمر يحدث بسبب انعدام الوعي القانوني وعدم تقدير قيمة الحياة الزوجية والتسرع”.

وتعد العوامل الاقتصادية أهم أسباب ظاهرة الطلاق داخل المجتمع العراقي، حسب الخبير الاقتصادي عبدالحسين الفياض، أحد مؤسسي شبكة الاقتصاديين العراقيين (غير حكومية)، الذي أشار في حديثه للأناضول إلى أن “طبيعة المتغيرات التي طرأت على المجتمع بعد أحداث 2003، فرضت على الفرد الانتقال خلال فترة وجيزة جدا بين بيئتين مختلفتين تماما، من مجتمع منغلق على نفسه إلى مجتمع منفتح بشكل كامل، هذا الانتقال أفقده طبقة مهمة هي الطبقة الوسطى التي تعد العمود الأساس في المجتمعات، فطغت طبقتان على المشهد العراقي، هي طبقة الغنى الفاحش وطبقة الفقراء المعدمين”.وأضاف أن “أغلب الفقراء عانوا من مشكلات اجتماعية انعكست على أوضاعهم الأسرية بصورة سلبية أدت إلى حدوث حالات طلاق كثيرة”.

وذكر المتحدث باسم الوزارة عبدالزهرة الهنداوي في بيان صادر مؤخرا أن “نسبة الفقر في العراق ارتفعت بعد أحداث احتلال تنظيم داعش لمناطق واسعة في العراق صيف عام 2014، بسبب نزوح 2.5 مليون شخص من محافظات شمالي وغربي البلاد”، لافتا إلى “ارتفاع نسبة الفقر في العراق إلى 30 بالمئة عام 2016، بعدما كانت 19 بالمئة نهاية 2013”.

وطبقا لإحصاءات دورية رسمية عن عمل المحاكم في العراق، حصلت عليها الأناضول من مجلس القضاء الأعلى (أعلى هيئة قضائية في البلاد) فإن مجموع حالات الطلاق وصل إلى 516 ألفا و784 حالة خلال الأعوام من 2004 إلى 2014، في وقت كان مجموع حالات الزواج خلال نفس المدة 2 مليون و623 ألفا و883 حالة، ما يعني أن حوالي 20 بالمئة من هذه الزيجات انتهت بالطلاق.

ووفقا لمجلس القضاء الأعلى، فإن عدد دعاوى الطلاق في عام 2004 كان 28 ألفا و689 دعوى، ارتفع في عام 2005 إلى 33 ألفا و348 حالة، بينما وصل في عام 2006 إلى 36 ألفا و627 حالة، ومن ثم قفز في عام 2012 إلى 50 حالة طلاق مقابل كل 100 حالة زواج، أما في عام 2015 فقد شهد حدوث 52 ألف حالة طلاق.

21