ارتفاع سقف التوقعات من أهم أسباب فشلنا في تحقيق أهدافنا

في مطلع كل عام جديد، يضع الملايين من الناس أهدافاً وآمالاً يرغبون في تحقيقها في فترة زمنية معينة، قد تكون جديدة تماماً وقد تكون من بقايا أهداف قديمة لم تسنح الفرصة لتحقيقها في الماضي القريب، بسبب الظروف أو التقاعس أو غياب الإرادة، إلا أن الكثير من هذه الأهداف القديمة التي تم تأجيلها أو واجهت الفشل في إحدى مراحلها تدور في إطار العادات والسلوك اليومي الصحي مثل الرغبة في الالتزام بتناول الطعام الصحي، والإقلاع عن التدخين أو ترك الكحول، إضافة إلى ممارسة الرياضة اليومية.
الأربعاء 2016/08/24
تعزيز الفرد لثقته بنفسه مفتاح أي تغيير إيجابي

أثبتت الأبحاث الصحية أن قرابة 90 بالمئة من الناس يخفقون في تحقيق أهدافهم والالتزام ببرامج تحقيقها على مدار العام، فلماذا يحدث ذلك؟ وكيف يجد الناس صعوبة في محاربة الكسل والتقاعس، بينما ينجح القليل منهم في تحقيق ذلك؟

تشير الأبحاث إلى أن من أهم أسباب فشلنا في تحقيق مثل هذه الأهداف ارتفاع سقف التوقعات في ما يتعلق بمقدار التغيير الممكن وسرعة تحقيقه. وترى الدكتورة جوليانا برينز، أستاذة علم النفس الاجتماعي والشخصية في جامعة كاليفورنيا الأميركية، أن الناس غالباً ما يتعجلون في محاولة القيام بتغيير سريع وحاسم في وقت قصير نسبياً في حين أن تحقيق هذا الأمر على أرض الواقع يبدو مستحيلاً، وكمثال واضح على ذلك تخفيض الوزن؛ فعلى الرغم من أن خبراء الصحة يوصون بأهمية تخفيض الوزن التدريجي فإن أغلب الناس يميلون إلى محاولة قفز الحاجز الزمني وتخطي المراحل للحصول على نتائج يجدونها مرضية.

وفي إحدى الدراسات في هذا الخصوص أصيب أغلب المشاركين والذين يعانون من زيادة في الوزن بخيبة أمل نتيجة عدم حصولهم على نتائج سريعة فيما لم يشعر من حقق منهم بعض النجاح بالسعادة المتوقعة، وفي كلتا الحالتين تعد خيبة الأمل المثبط الأول عن الاستمرار في برنامج العمل، في حين يحدد البعض وقتاً طويلاً لممارسة التمرينات الرياضية بُغية خسارة المزيد من الوزن، كأن يكون 3 ساعات في اليوم وهذا بالتأكيد هدف غير واقعي لمن يمتلك عملاً مرهقاً أو للأمهات اللاتي يعتنين بطفل حديث الولادة. ولأن الفشل هنا تتبعه خيبة أمل وشعور مزعج بالإحباط، فإن الشخص يميل إلى التخلي عن جهوده وعدم الحرص على متابعة تحقيق الهدف المرجو.

والأمر الذي يفاقم هذه المشكلة أن الكثير من الناس يعتمدون على شعار “لكل شيء حل سريع“، وهذا الشعار شائع على نطاق واسع في الثقافة الشعبية وحتى في وسائل الإعلام إضافة إلى الإعلانات مدفوعة الثمن؛ فحين ننظر إلى مسألة تخفيض الوزن ووسائل التجميل الأخرى، نجد أنفسنا مطاردين طوال الوقت بالمعلنين الذين يدغدغون مشاعرنا ويلونون لنا المستحيلات بألوان زاهية، وهم يراهنون على اختصار الزمن والجهد اللازمين لتحقيق رغباتنا وأحلامنا في الصحة والجمال الدائم. وحين يمضي الزمن المحدد ولا نحصل على التغيير المطلوب تواجهنا الحقيقة المؤلمة، فنكون قد ضيعنا الوقت والدافع والرغبة أيضاً في التغيير بسبب التسرع ووضع أهداف غير واقعية.

على أن الدراسات الحديثة تشدد على أهمية ودور العوامل الخارجية في مقاومة أهدافنا، فإذا كانت إرادتنا قوية وهدفنا واضحا وخطتنا راسخة، فيجب أن نتجاهل العوامل الأخرى الخارجة عن إرادتنا، مثل دور الأصدقاء والمعارف في تثبيط همتنا عن القيام بعمل ما أو تغيير واقع لا نرغب فيه، إضافة إلى أن الإجهاد غير المتوقع والتردي الصحي المفاجئ قد يغيرا مسار خططنا أو يعرقلان تقدم مشاريعنا على الأقل.

الناس غالباً ما يتعجلون في محاولة القيام بتغيير سريع وحاسم في وقت قصير نسبياً في حين أن تحقيق هذا الأمر على أرض الواقع يبدو مستحيلا

وتؤكد برينز على أهمية أن نكون واثقين من أنفسنا وقدراتنا، إلا أننا في الوقت ذاته يجب أن نكون واقعيين وواعين بمدى تأثير بقية المتغيرات في حياتنا وسلوكنا؛ أي الوعي بأننا محكومون بمجموعة من القيود علينا أن نناغم حياتنا وأهدافنا بالصورة التي لا تتعارض معها، أو على الأقل تسير جنبا إلى جنب معها، وحياتنا الاجتماعية أحد هذه القيود وأي تغيير ننشده في أسلوب حياتنا من شأنه أن يعدل مسارها ينبغي أن يمر بسلسلة معقدة من العلاقات الاجتماعية والموانع والمعوقات،منها مثلا؛ العمل، واجبات المنزل، الالتزام برعاية الأبناء، الأصدقاء، إضافة إلى المتغيرات البيولوجية ( إذا كان الهدف المنشود تغييراً صحياً مثل تخفيض الوزن)، ولهذا يجب ألا نلوم أنفسنا في حال تأخر تحقيق الهدف أو تعثر في إحدى مراحله بسبب عوامل خارجة عن سيطرتنا.

من ناحية أخرى، فإن نظرتنا الرومانسية والمثالية المبالغ فيها قد تكون عائقاً آخر، فتصورنا عن كمية ونوعية النتائج التي سنخرج بها من جراء التغيير، كأن يكون تغييراً في شكل أجسادنا، ومدى الأوهام التي تعلق بخيالنا من إمكانية أن تتبدل حياتنا فتنقلب رأساً على عقب بسبب ذلك، قد يجعل من تحقيق الهدف أمراً مصيرياً ولعنة تبقى تطاردنا في جميع مراحل العمل، وبسبب هذه الضغوط نجد أنفسنا في نهاية الأمر في عجلة للحصول على نتائج سريعة ومذهلة، وهذا الأمر لن يتحقق في الواقع طبعاً، ولا ننسى دور وسائل الإعلام ومجلات المرأة في تعزيز هذا الاتجاه وتعميق النظرة السطحية للأشياء.

ولكن، ما السبيل للتغلب على هذه العوائق التي تحول دون تحقيق أهدافنا حتى وإن كانت بسيطة؟

يؤكد متخصصون في علم النفس الاجتماعي على أهمية تعزيز الفرد لثقته بنفسه وتقبله لذاته على علاتها، فمفتاح أي تغيير إيجابي ننشده يرتكز على أساس تقبلنا للواقع ولإمكاناتنا حتى لو واجهنا أي تعثر أو تأخير في تحصيل الهدف المنشود، فإن إرادتنا وثقتنا بقدراتنا ستحولان دون تحول هذا الفشل إلى تراجع نهائي وخيبة أمل، كما تشير الأبحاث إلى أهمية استعادة التوازن النفسي إثر أي فشل نواجهه والإقرار بأن طريق النجاح طويل وشاق ويحتاج إلى الكثير من الوقت والصبر.

21