ارتفاع مستويات التضخم يهدد التوازنات الاجتماعية في تونس

تلقي الأوضاع الاقتصادية المتأزمة في تونس بالمزيد من التبعات على التوازنات الاجتماعية، نتيجة الارتفاع المستمر في مستويات الغلاء والتضخم بما يفوق إمكانيات التونسيين ويؤثر على ظروفهم المعيشية والذي ينعكس على الحركية الاقتصادية ومعدل الاستهلاك.
الجمعة 2017/08/11
تدهور القدرة الشرائية للتونسيين

تونس - يشهد انطلاق موسم التخفيضات الصيفية في تونس حالة من الركود وضعف الإقبال، في ظل ظروف اقتصادية صعبة يواجهها التونسيون نتيجة تصاعد مؤشرات الغلاء ومستويات التضخم، الأمر الذي زاد من تدهور القدرة الشرائية للمواطنين.

وبحسب الخبراء بالسوق التونسية، فإن معدلات الغلاء زادت خلال شهر رمضان الماضي على مستوى أسعار المواد والملابس الجاهزة بنسبة 9.3 بالمئة، وذلك نتيجة حركة الشراء الواسعة وارتفاع معدل الاستهلاك، فيما ارتفعت إلى مستوى 13.3 خلال شهر يوليو الماضي.

ويرجع الخبراء حالة الضعف والركود إلى هذا التسارع الكبير في مستوى الغلاء بالنسبة إلى الملابس والأحذية خلال فترة قصيرة، إلى جانب تأخر انطلاق موعد التخفيضات بثلاثة أسابيع مقارنة بالسنة الماضية وهو ما جعل من أثر التخفيضات محدودا وغير ملموس.

ويمثل تصاعد مستويات الغلاء بحسب المتابعين في تونس أحد انعكاسات ارتفاع نسبة التضخم والتي سجلت ارتفاعا كبيرا مقارنة بالمعدلات المسجلة خلال الأشهر الفارطة، إلى جانب تصاعد مؤشر الأسعار.

وتشير آخر الدراسات التي أصدرها المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) إلى أن نسبة التضخم بلغت خلال الشهر الماضي مستوى 5.6 بالمئة بعد أن كانت مستقرة في حدود 4.8 بالمئة خلال شهر أبريل الماضي، فيما ارتفع مؤشر الأسعار بنسبة 0.9 بالمئة وذلك نتيجة الزيادات الأخيرة المسجلة.

وتلفت الدراسة إلى أن الزيادات الأخيرة التي أقرتها الحكومة على تسعيرة عدد من الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والمحروقات، أدت إلى ارتفاع المعدل العام للأسعار ما بين 3.6 و17.7 بالمئة بالنسبة إلى المواد الغذائية والمشروبات والزيوت، إلى جانب ارتفاع تكلفة النقل بنسبة 2 بالمئة فضلا عن زيادات أخرى في مجالات مختلفة تراوحت بين 1.7 و6 بالمئة.

مراد الحطاب: نزيف التضخم يلتهم مداخيل التونسيين دون أي فوائض للادخار

ويؤكد الخبير الاقتصادي التونسي مراد الحطاب في حديث لـ”العرب” أن هذه القفزة الكبيرة في مؤشرات التضخم والغلاء تثير نقاط استفهام عديدة في ظل وفرة المعروض من المواد الغذائية والفلاحية منها بشكل خاص، خاصة خلال هذه الفترة التي تتميز بتنوع المحاصيل واعتدال مستويات الطلب.

ويفسر الحطاب أبعاد هذا التضخم والزيادات المتتالية بتواصل انهيار قيمة الدينار التونسي في سوق الصرف مقابل الدولار واليورو، مع استمرار استنزاف الرصيد الاحتياطي من النقد الأجنبي والعملة الصعبة نتيجة عمليات التوريد.

وأضاف الحطاب “أغلب الأنشطة الاقتصادية والصناعية تعتمد على المواد الموردة سواء نصف المصنعة أو التجهيزات وغيرها، وهو ما يفاقم مشكلة الغلاء ويهدد بخروج التضخم عن السيطرة في المستقبل”.

وحول تأثير مؤشرات التضخم المستمرة على المناخ الاجتماعي، اعتبر الخبير الاقتصادي أن انعكاسات الظاهرة ستكون شاملة وغير محدودة على مستوى كل الطبقات والمناطق على الرغم من اختلاف وقعها بحسب الظروف الاقتصادية والتنموية بالجهات.

وأوضح الحطاب على سبيل المثال أن الزيادة في ثمن إحدى المواد أو المنتجات بقيمة دينارين لن يكون أثرها محسوسا بالعاصمة أو المدن الكبرى، في ظل مستوى المعيشة المكلفة وقدرة الطبقة الوسطى بهذه المناطق على التلاؤم، لكن وقع هذه الزيادة قطعا سيكون حساسا ومؤثرا في مناطق مثل القصرين وسيدي بوزيد وغيرهما والتي تختلف ظروفها المعيشية والمستوى الاجتماعي للطبقات.

وحذر الحطاب من التداعيات المحتملة لتدهور القدرات الشرائية على البنية الاجتماعية، مبينا أن الطبقات الهشة ستكون الأكثر تضررا وستواجه صعوبات متزايدة بالنظر إلى ارتفاع التكاليف المعيشية.

ولفت الحطاب إلى أن الطبقة الوسطى التي تعد ضمانة توازن المنظومة الاجتماعية أصبحت مهددة بالتآكل نتيجة غياب التوازن بين مستويات الأجور ومعدلات التضخم، ما قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الفقر.

وبحسب الحطاب، فإن ثلث التونسيين اليوم يعيشون عند مستوى الفقر بسبب ضعف مداخيلهم والتي لا تكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية، إلى جانب تراجع إمكانيات الطبقة الوسطى التي أصبحت بالكاد قادرة على توفير تكاليف السكن والغذاء والتنقل.

وينفق المواطن التونسي 78 بالمئة من دخله على الغذاء والسكن والتنقل والكساء والتي تمثل الاحتياجات الحياتية الضرورية في مقياس الرفاه الاجتماعي، إلى جانب 10 بالمئة كمصاريف للدراسة والتعليم.

وينبه الخبير الاقتصادي إلى أن استمرار نزيف التضخم والغلاء من شأنه أن يلتهم كامل مداخيل التونسيين دون إتاحة أي فوائض للادخار أو الترفيه.

ونفى مراد الحطاب بعض الآراء التي ترجع استشراء مشاكل الغلاء والتضخم إلى ثقافة الاستهلاك السائدة، والتي تعتبر أن التونسيين من مختلف الفئات الاجتماعية ينزعون إلى الإنفاق بشكل يفوق إمكانياتهم وهو ما يزيد في تأجج الأسعار في ظل ارتفاع الطلب والاستهلاك.

واعتبر الحطاب “أن القول إن التونسي ينفق اليوم أكثر من طاقته أمر غير صحيح باعتبار أن نسبة كبيرة من الطبقة الوسطى أصبحت تضطر للاقتراض نتيجة الأزمات الاقتصادية”. وأكد الحطاب أن هذه القاعدة تنطبق على أغلب الطبقات الاجتماعية التي أصبحت تعتمد على القروض والتسهيلات البنكية فقط لتأمين المستوى الضروري من متطلبات المعيشة.

4