ارتفاع مقلق لنسب الطلاق في تونس

غياب التأهيل لدى الشباب وصراع الأدوار بين الزوجين يعمقان الأزمة.
السبت 2020/03/14
تقاسم المسؤولية بين الزوجين يقلل احتمالات التفكك الأسري

تعاني الأسرة التونسية من التفكك بسبب ارتفاع نسب الطلاق حيث تبت المحاكم يوميا في 46 حالة وفق ما أوردته وزارة العدل. ولئن أرجع علماء الاجتماع هذه الظاهرة إلى تنامي منسوب العنف تجاه المرأة بسبب صراع الأدوار بين الزوجين، فإن المهتمين بالشأن الأسري في تونس برروا ذلك بغياب التأهيل لدى الشباب القادمين على الزواج ودعوا إلى ضرورة إعدادهم لمواجهة حياة جديدة.

كشفت إحصائيات قدمتها وزارة العدل، في بداية العام 2020، عن تسجيل 46 حالة طلاق يوميا في تونس و13 ألف قضية طلاق سنويا.

كما تشير البيانات إلى ارتفاع عدد الحالات مقارنة بالعام 2017 حيث كانت المحاكم لا تبت سوى في 41 حالة طلاق يوميا.

وأكدت مليكة الورغي، مديرة الأسرة بوزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن، أن ارتفاع حالات الطلاق يعود إلى عدم وعي الشباب القادمين على الزواج بحجم المسؤولية المناطة بعهدتهم، مشيرة إلى أن غياب التأهيل لدى الشباب من أبرز الأسباب.

وقالت الورغي إن غياب الوعي بالمسؤولية التي تترتب على الزواج إضافة إلى المشاكل المادية التي تتفاقم خاصة بعد إنجاب الأطفال يعمقان الأزمة.

وأشارت إلى أن أكثر حالات الطلاق المسجلة تعود إلى محافظات سوسة وصفاقس ونابل وتونس الكبرى.

وأكدت فتحية السعيدي، الباحثة في علم الاجتماع، أنه تبين من خلال دراسة عن العزوبية أن الشباب يتجنبون الارتباط  خوفا من تحمل المسؤولية، مشيرة إلى ضرورة تأهيلهم للحياة الزوجية درءا للمشاكل.

التطور السريع في مجال الإنترنت أدى إلى خلق عائلات  افتراضية جعلت لكلا الزوجين عالمه الواقعي في المنزل وعالمه الافتراضي خارجه

وقالت السعيدي لـ”العرب”، “يجب أساسا توعية الشباب ضد استعمال العنف تجاه الشريك وتجريم الاعتداء على الحرمة الجسدية للزوجة وتجنب ‘امتلاك الآخر'”، مشيرة إلى أن الحياة الزوجية تبنى على مفهوم الشراكة.

وأضافت أن الزوجين لم يعيا جيدا مفهوم الشراكة وهو ما من شأنه أن يخلق المشاكل التي تؤدي إلى الطلاق.

وأشارت إلى ضرورة أن يدخل مفهوم الشراكة بين الزوجين ضمن التنشئة الاجتماعية للأفراد، مؤكدة أن الشراكة تعني التعاون بين الزوجين وتقاسم المسؤولية.

كما لم يقلل علماء الاجتماع من دور وسائل الاتصال الحديثة في الوصول إلى التفكك الأسري، حيث صنفوها في المرتبة الثالثة بعد المشاكل المادية التي تتسبب في الخيانة والطلاق.

وقال الباحث في علم الاجتماع الدكتور محمد الطويلي إن التطور التكنولوجي في مجال الإنترنت أدى إلى خلق عائلات جديدة افتراضية جعلت لكلا الزوجين عالمهما الواقعي في المنزل وعالمهما الافتراضي خارجه.

وأشار إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت متنفسا للزوجين في حالة الخصام مما يسهل عليهما إيجاد البديل. وأكد أن تسهيل القيام بالعلاقات الافتراضية وإكثارها لدى أحد الزوجين يجعلانه يدخل في مقارنات بين الشريك الموجود في المنزل بنقائصه وهناته وبين الآخر الموجود على الإنترنت بصورة أكثر وجاهة وجاذبية.

تأهيل الشباب لحياة جديدة ضرورة
تأهيل الشباب لحياة جديدة ضرورة

بدوره أشار طارق بالحاج المختص في علم الاجتماع إلى أن وسائل التواصل الحديثة تأتي في المرتبة الثالثة من حيث مساهمتها في تفكك الأسر التونسية وكثرة مشاكلها، كالخيانة والطلاق، مؤكدا أن الوضع الاقتصادي للأسرة يحتل مكانة هامة أيضا من حيث مسببات الطلاق.

كما أفاد بالحاج بأن انتشار ظاهرة الطلاق يعود إلى عدة أسباب، منها الأب الغائب الحاضر وهو الأب المنهك بالعمل والذي لا يجد وقتا ليقضيه مع أسرته ولا يجد وقتا لتقديم المعونة المعنوية أو المساعدة لزوجته.

كما أكد أن الأم الغائبة هي أيضا سبب من أسباب تفكك الأسرة وارتفاع نسب الطلاق، حيث أن الأم المنشغلة بعملها عن أسرتها، قد لا تمنح زوجها العناية بشؤونه الخاصة واحتياجاته.

كما يعتبر صراع الأدوار بين الزوج والزوجة من أهم مسببات التفكك الأسري، حيث يتمثل في تنافس الزوجين على أن يحل أحدهما مكان الآخر.

وسواء كانت أسباب الطلاق مادية أو معنوية فإن نتيجته واحدة هي تفكك العلاقات وغياب الروابط الأسرية داخل العائلة الواحدة. كما أن أكبر المتضررين من الطلاق هم الأطفال الذين سيدفعون ثمن سوء اختيار أحد الشريكين وعدم تأهيله جيدا لحياة مشتركة.

ويشير علماء النفس إلى أن تأثيرات الطلاق على الأطفال تختلف من طفل إلى آخر حسب طبيعته وفئته العمرية، مؤكدين أن الأطفال يواجهون صعوبة في السيطرة على مشاعرهم وتقبل قرار الانفصال ويتأثرون به نفسيا وعاطفيا.

الحياة الافتراضية تعمق الأزمة بين الزوجين
الحياة الافتراضية تعمق الأزمة بين الزوجين

وقال علماء النفس إن زيادة مشاكل الصحة العقليّة للأطفال، ومنها الاكتئاب، والمشاكل النفسيّة الأخرى الناجمة عن القلق والإجهاد والتوتر، هي من أكبر آثار قرار الطلاق على الأبناء، مشيرين إلى أنها أعراض قد تحتاج إلى تدخل طبي حتى لا تتفاقم وتؤدي إلى أضرار ومشاكل أكبر.

كما أشاروا إلى احتمال حدوث مشاكل واضطرابات سلوكيّة مختلفة، كالجنوح، والعنف، واللجوء إلى الاشتباك والصراع مع باقي الأطفال، مؤكدين أن هذه السلوكات قد تكون بغرض الكشف عن الاستياء والغضب، والتعبير عن المشاعر السلبيّة التي تغمرهم وتؤلمهم في دواخلهم. هذا إضافة إلى تناول الممنوعات والمحظورات، كالمواد المخدّرة، أو شرب الكحول في سن مبكرة، والانخراط في علاقات وصداقات خاطئة ومؤذية قبل الوصول إلى سن البلوغ، وغيرها من السلوكات الصحيّة والاجتماعيّة الضارّة التي لها أبعاد وتأثيرات أخرى على الفرد والمجتمع.

ويبقى للأسرة الموسعة وللمحيطين بالزوجين دور محوري في المضي في قرار الطلاق أو العدول عنه، حيث بإمكان والدي الزوجين التدخل لفض الخلافات المؤدية إلى الطلاق بين الطرفين وذلك بتقريب وجهات النظر بينهما أو إعانتهما ماديا إذا كان الخلاف بسبب عوامل اقتصادية، أو عدم قدرة الزوجين على تحمل أعباء الحياة بمفردهما خصوصا إذا كان لديهما أطفال.

كما تلقى على عاتق المجتمع المدني مسألة تأطير المقبلين على الزواج وتدريبهم على الاندماج في الحياة الجديدة وكذلك توعية أسرهم وحثهم على الاتصال بجمعيات أو خبراء في العلاقات الأسرية لمساعدة أبنائهم على تفادي الوقوع في مشاكل التفكك الأسري.

21