ارتفاع نسبة الجرائم الأسرية.. نذير خطر

الخميس 2013/10/03
التوازن بين الجانب العاطفي الوجداني والمادي العقلاني يمنع ارتكاب الجرائم

القاهرة- منذ سنوات مضت كنا نقرأ عن جرائم خطيرة تحدث في المجتمعات الأوربية والأجنبية، وكنا نسخر منهم ونقول أن الوازع الديني ضعيف لديهم.

مرت السنوات وفجأة انتشرت تلك الجرائم في مجتمعاتنا العربية، فهل يعود السبب أيضا إلى ضعف الوازع الديني؟ وكيف تواجه الجرائم الخطيرة بحيث لا تتكرر مرة أخرى ؟

سمعنا عن الابنة التي قتلت أمها لتسرق منها المال والمجوهرات، وشاهدنا القاتلة تعترف ولا تنكر وتدعي أن السبب حاجتها للمال لإنقاذ أسرتها من الفقر، فهل الفقر أحد أسباب الجريمة هنا؟ وشاهدنا جرائم أخرى ناتجة عن التخلف والفكر الرجعي، مثل الأخ الذي قتل أخته لأنها ارتدت البنطلون الجينز، فهل التعليم هو المسؤول؟ هل علاج الأمية هو الأمل؟

يقول الدكتور سعد عمر الخبير الاجتماعي: لقد انتشرت في الآونة الأخيرة جرائم غريبة على المجتمع المصري، على سبيل المثال، وهي الجرائم الأسرية، والتي تشهد أبشع أنواع العنف، من قتل واغتصاب وخطف وسرقة وتعدي على النفس والممتلكات، وقد أكدت إحصائيات أن العام الحالي شهد أكثر من 92 جريمة وفي الربع الثاني وصل عدد الجرائم إلى 83 جريمة أسرية وأن 92 بالمئة منها تندرج تحت مسمى جرائم الشرف وهي جرائم يرتكبها الأزواج أو الآباء أو الأشقاء بدافع الغيرة على الشرف وغسل العار. كما أن 70 بالمئة من هذه الجرائم ارتكبها الأزواج ضد زوجاتهم و 20 بالمئة ارتكبها الأشقاء ضد شقيقاتهم بينما ارتكب الآباء 7 بالمئة منها ضد بناتهم و3 بالمئة ارتكبها الأبناء ضد أمهاتم.

وتؤكد الإحصائيات أن 70 بالمئة من هذه الجرائم، وقعت تحت دعاوى الشرف، وللأسف لم يكن فيها حالة تلبس، وإنما اعتمد من ارتكبها على الشائعات وهمسات الجيران والأصدقاء حول سلوك المجني عليهم، وأضافت الدراسات أن تحريات المباحث في 60 بالمئة من هذه الجرائم أكدت سوء ظن الجاني بالضحية وأنها فوق مستوى الشبهات، أما بالنسبة لطريقة ارتكابها والسلاح المستخدم فقد أوضحت الدراسات أن 53 بالمئة من هذه الجرائم، ارتكبت باستخدام السكين أو المطواة أو الساطور، وأن 11 بالمئة منها تمت عن طريق الإلقاء من مرتفعات، وحوالي 9 بالمئة منها بالخنق سواء باليد أو الحبال، و8 بالمئة بالسم و 5 بالمئة بالرصاص، و 5 بالمئة نتيجة التعذيب حتى الموت، وبعيدا عما يسمى بجرائم الشرف؛ ولذلك يجب أن نتعاون جميعا، في تربية الجيل الجديد بالعلم والثقافة الدينية المعتدلة، وفتح فرص العمل للشباب وإقامة الندوات وحلقات النقاش، التي تهتم بمشاكل الأطفال والشباب، وتقديم دراما تلفزيونية بعيدة عن العنف والقتل والسرقة، ونشر روح المحبة والاحترام والتفاهم بين أفراد الأسرة، ورعاية أطفال الشوارع، تلك كلها محاولات ومشاريع تقوم بها الدولة بالتعاون مع الجهات المسؤولة.

ويضيف الدكتورعمر قائلا: "وقد أبرزت الإحصائيات أن السبب في الجرائم الأسرية هو ثالوث الفقر والبطالة والجهل، وأصدر المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، دراسة أشارت إلى أن حوالي 63 بالمئة من الجرائم باتت ترتكب داخل الأسرة".

ويؤكد الدكتور أحمد السيد الباحث في علم الاجتماع، أن دائرة الخطر آخذة في الاقتراب، لأن اقتران جرائم العنف بالأسرة أمر بالغ الخطورة، وأنه علينا أن نلتفت إلى الأسباب التي استجدت في المجتمعات، والتي تسببت في انتشار هذه الظاهرة، وبالإضافة إلى الفقر والجهل والبطالة، فإن هناك أسبابا جديدة لحدوث هذه الجرائم، مثل الشعور العام بالإحباط، وتعلم العنف من خلال تقليد سلوكيات أو مشاهد عنيفة، فضلا عن التفكك الاجتماعي، الذي نتجت عنه ظواهر خطيرة، مثل الزواج العرفي، وانتشار العلاقات المحرمة، وبعضها ينتج عنه ولادة أطفال تحاول الأمهات التخلص منهم.

وطالب الدكتور أحمد السيد بضرورة الاستثمار في إعادة مكانة الأسرة إلى ما كانت عليه، سواء تطلّب ذلك موازنات إضافية لدعمها أو إصلاح التعليم، وأيضا إعادة النظر في الخطاب الديني، ومحاولة تقويم حجم العنف الذي صار جزءا من حياتنا اليومية، وقد أوصت التقارير بضرورة تحديد اختصاصات الوزارات المعنية، وتحديد موازنتها لتبدأ رصد الأوضاع الاجتماعية للأسرة المصرية، وتقديم الخدمات المنوطة بعهدتها، وسرعة تفعيل قانون رعاية المريض النفسي للحد من جرائم العنف الأسري، وأيضا بأن يتم تطوير قوى المجتمع المدني لآلياتها في مكافحة العنف الأسري، وذلك من خلال تنظيم دورات وندوات تدريبية للشباب المقبلين على الزواج والمتزوجين حديثا، إضافة إلى تعليم طرق التربية السليمة للأطفال.

أما الدكتورة سوسن عثمان نائب رئيس منظمة الأسرة العربية، فترى أن هناك حالة من الاهتزاز القيمي واللا معيارية، انعكست على جميع الأنظمة والعلاقات داخل الأسرة، مما أدى إلى هدم أركانها وأسسها، التي تقوم عليها وترى أن مؤسسة الزواج أصبحت تخضع للتقليد الأعمى للغرب وتأثيرات العولمة، ولا سيما بعد أن امتدت مفاهيم الحرية الرأسمالية إلى النظام الأسري.

وتشير الدكتورة سوسن إلى تزايد نسبة الطلاق في مصر، بحيث أصبحت في المرتبة الأولى على مستوى العالم، علاوة على أن 50 بالمئة من حالات الطلاق تقع خلال السنة الأولى من الزواج، وأن المطلقين لم يتعدوا سن الثلاثين، بالإضافة إلى الزواج العرفي والعلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج، التي وصلت إلى 60 بالمئة في العام الماضي.

وتنبه الدكتورة سوسن إلى خطورة المفاهيم الدخيلة على المجتمع المصري، مثل الزواج المفتوح الذي ترفضه الأسرة، ويعتبر الزواج الشرعي قيدا على المرأة، وأن الحرية الجنسية لابد أن تكون مطلقة وبلا ضواط.

ويرى الدكتور إبراهيم عيد أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس، أن الجانب العاطفي عادة ما يكون له دور مؤثر في الجرائم التي تقع بين الأزواج، فمشاعر الغيرة الحمقاء والألم الذي قد يسببه أحد الطرفين للآخر، يمكن أن يؤدي بالإنسان في النهاية إلى ارتكاب الجرائم، فالعاطفة التي تستحوذ على الوجدان غالبا ما تفقد المرأة القدرة على التفكير الصحيح، ويكون البديل هو الاندفاع العاطفي الأهوج، مؤكدا على أن الإفراط في الحب شيء مدمّر، إذا لم يكن مسلحا بقدر من المنطق.

ويشير إلى أن الأزمات الاقتصادية التي تحدث للزوجين، والاصطدام بالواقع قد يؤدي بأحد الطرفين إلى ارتكاب جريمة في نهاية المطاف، وأننا نضع دائما من نحب ولاسيما المرأة في مكان سامٍ يتجاوز الحدود الإنسانية، حيث يجد من الصعب على الكثير التغلب على الأزمات وهنا أيضاً قد تحدث الجريمة.

وينصح الدكتور إبراهيم بضرورة وجود توازن بين الجانب العاطفي الوجداني والمادي العقلاني، في العلاقات بين الزوجين، حتى لا يكون الطريق ممهدا لارتكاب أية حماقات.

21