"ارتقاء".. فيلم عن تسيّد الذكاء الصناعي على العاطفة الإنسانية

روبوت بشري يلاحق المجرمين وينتقم من أعدائه بدم بارد في مجتمع افتراضي نغّصت التكنولوجيا المتطورة حياته.
الاثنين 2018/08/27
الكل خاضع للمراقبة

تنوعت تجارب سينما الخيال العلمي في مجال استخدام الروبوت والذكاء الصناعي، ومع تقديم الروبوت بوصفه مرحلة متقدمة في ما وصلت إليه البشرية فإن إدماج الكائن البشري بالروبوتي شكل ظاهرة أخرى من خلال معالجات سينمائية متنوعة أيضا

الكائن الروبوتي- البشري يتخذ أقصى مهاراته ويعبر عن خليط متنافر أحيانا بين كونه بشريا من جهة، وكونه يحمل خواصا وقدرات متفوقة أعلى من قدرات البشر من جهة أخرى، هذا ما قدّمته سينما الخيال العلمي في العديد من التجارب المميزة، ومنها أفلام: “اليوم الذي توقفت فيه الأرض” (1951)، و”أوديسا الفضاء” (1961)، و”حرب النجوم” (1977)، و”متسابق المتاهة” (1982)، و”ترون” (1982)، و”روبوكوب” (1987)، و”الفاني” (1988)، و”ماتريكس” (1999)، و”آي روبوت” (2004)، و”اكس ماشينا” (2005)، و”جدار آي” (2008)، و”الماكنة” و”هي” (2013)، و”النجمي” (2014) وعدة أفلام أخرى.

وفي الفيلم الجديد “ارتقاء” للمخرج لي وانيل سنشاهد الكثير من هذا التنوع المدهش في الإدماج ما بين الروبوتي والبشري، وكل ذلك في إطار تجارب تتسيّد فيها الشركات التي تعمل في هذا المجال وتمسخ الكائن البشري لتحوّله إلى كائن آخر مختلف.

وتقع أحداث الفيلم في بلد ما متطور، شاع فيه الذكاء الصناعي والبرمجة الإلكترونية في شتى مناحي الحياة وانتشرت الطائرات المسيرة الصغيرة “درونز”، فتقوم بمهام الرصد والمراقبة ومساعدة الشركة في كشف الجرائم، وكل ما في داخل المنازل خاضع لنظام رقمي.

يعيش غراي (الممثل لوكان مارشال كرين) حياته اليومية في وسط هذا الواقع الرقمي، ولكنه ما زال مولعا بتصليح أعطال السيارات الحديثة والقديمة على السواء، وهو الآن مشغول بإصلاح سيارة العالم هارون (الممثل هاريسون جلبرستون) ليكتشف البيئة العجيبة التي يعيش فيها وهو يطوّر الأنظمة الرقمية والروبوتية.

بعد خروج غراي وزوجته إيشا (الممثلة ميلاني فيلاجو) يتم إيقاعهما في فخ وسط عصابة في الضواحي التي تعج بالمجرمين، لينتهي الموقف العاصف بمقتل إيشا وشلل غراي.

ويعرض هارون على غراي وهو وسط مأساة فقد زوجته وعجزه الكامل بسبب الشلل أن يتم زرع نظام متطور في عموده الفقري، يقوم بسد الفراغ بين العقل والأعصاب والأطراف، وبالتالي يعيد الحياة له.

يخضع غراي للتجربة بنجاح، ويبدأ منذ أن يتمكن من الحركة باقتفاء أثر قتلة زوجته في تحول دراماتيكي في الأحداث.

ولعل غراي، الشخصية الدرامية الرئيسية في الفيلم بقدراته المضافة، هو الذي من خلاله سوف نلمس التحولات المتصاعدة في الشخصية، ما بين أصلها البشري وبين وحشيتها في التعامل مع الخصوم، إذ في كل مواجهة سوف يعصف الذكاء الصناعي ويدفعه للانتقام بشكل بشع وهو ما لا يقوى على إيقافه.

الفيلم حفل بمنظومة بصرية كثيفة
الفيلم حفل بمنظومة بصرية كثيفة

وسنتحول مع تصاعد الأحداث إلى مطاردات وضخ المزيد من مشاهد الحركة، وخلال ذلك تتكشف أبعاد المؤامرة التي كان غراي ضحيتها.

وفي سلسلة مشاهد المطاردات واقتفاء القتلة نشهد تنويعا مكانيا ملفتا وتنويعا في بناء المشاهد وأوقات التصوير والزوايا ومستويات الإضاءة، حتى حفل الفيلم بمنظومة بصرية متميزة وكثيفة برع من خلالها المخرج في نقلنا بين مشاهد الفيلم المحتشدة بالأحداث.

وخلال ذلك تم توظيف عدة خطوط سردية منحت أحداث الفيلم حيوية ومتعة في المتابعة، خاصة مع تصاعد نزعة الانتقام للاقتصاص من القتلة والمجرمين الذي يصطادهم غراي تباعا.

واقعيا إن أجواء الجريمة كمحرك للأحداث تم بناؤها على أساس وجود كائنات بشرية روبوتية أيضا، هي فئران تجارب في مختبرات هارون، وتم زرع سلاح القتل الفتّاك الذي تستخدمها لقتل الآخرين في أذرعها، فضلا عن قدرة إبصار فائقة تتمكّن خلالها من اقتفاء الأثر واسترجاع المعلومات، وهو ما برع فيه فيسك (الممثل بينديكت هاردي) بوصفه زعيما لتلك العصابة التي أجهزت على إيشا.

من جانب آخر اكتمل التنوع في الشخصيات ما بين غراي وزوجته وفيسك وأتباعه وصولا إلى هارون الذي بدا هو في حد ذاته كأنه كائن قادم من كوكب آخر، تتميز أفعاله ببرود شديد وحيادية، في موازاة أنه، وللوصول إلى نتائج مبهرة لتجاربه لن يتورع عن المشاركة في الجريمة.

ويلفت النظر في ما يتعلق بشخصية غراي، تلك المشاهد العاصفة عندما تأمره القوة الروبوتية بالقتل والانتقام، فيما حسه الإنساني يمنعه من ذلك، وما بين القوتين يعيش صراعا مريرا، خاصة في مشهد قتل أحد أفراد العصابة وقتل ضابطة التحري كورتيز (الممثلة بيتي غابرييل) التي أوصلته إلى النقطة الأخيرة في اقتفاء أثر قاتلي زوجته.

ومن جانب آخر، يقدّم الفيلم صورة مجتمع افتراضي، وصل إلى مرحلة عالية التطور، حيث تم إدماج الحياة رقميا، ولكن وفي الوقت نفسه تم توظيف تلك التكنولوجيا المتطورة للجريمة لتُظهر المجتمع وهو مبتل بتلك الآفة.

ومع التنوع والمهارة في قيادة الأحداث، إلاّ أن ثغرات تتعلق بغراي نفسه تميزت في بعض الأحيان بالإسراف والمبالغة في التعبير عن المواقف، فضلا عن شحنة الإيهام العالية عندما يفقد غراي السيطرة في القسم الأخير من الفيلم.

16