ارتياد الآفاق في الرواية

السبت 2017/04/22

أستعير توصيف “ارتياد الآفاق” من السلسلة العربيّة الشهيرة الخاصّة بأدب الرحلة، لتوظيفه في ميدان الرواية التي تكون رحلة في اتّجاه آخر، رحلة غير مقيّدة ببداية أو نهاية، ويكون في التوجيه إلى العالم الروائيّ بحث عن مقاربة رحلات الروائيّ المرتاد الآفاق، والتوصيف بأنّ كلّ رواية رحلة إنسانيّة في ارتياد آفاق بعينها، تلك الآفاق؛ الأعماق القصيّة الغائرة في عتماتها، المحتجبة عن الظهور والتجلّي.

لا يُقصد بارتياد الآفاق في عالم الرواية الرحيل إلى نقاط نائية في الجغرافيا، أو اكتشاف أماكن جديدة، أو خوض مغامرات في الشرق أو الغرب، بل يكون الرحيل المراد إلى أعماق الإنسان نفسه، تلك الأعماق التي تظلّ قارات مجهولة يجتهد الأدب والفكر والفنّ في تظهير أسرارها وألغازها، والبحث عن سبل للإضاءة عليها بغية الوصول إلى فهم أشمل للإنسان، واستقراء دوافعه وتأويل أحلامه وما يعرك شخصيّته ويعجنه ويجعله بالصورة التي يتبدّى عليها.

يبدو أنّ تسارع الابتكارات في العصر الحديث قد يؤدّي بطريقة غير مباشرة إلى تحجيم عمل الروائيّ المنغمس في التسجيل أو التوثيق فقط من دون الإبحار في أغوار الشخصيّات، واستنطاقها، ودفعها إلى أقاصٍ غير متوقّعة في التحليل، ويوجب عليه أن يتحرّر من سطوة الواقع ليلعب في ميدان التخييل في النفس البشريّة، لا تصوير الأمكنة فحسب، أو الاكتفاء بتوصيف تفاصيلها الدقيقة وكأنّه مصوّر فقط لا قارئ نفس بشريّة ومترجم صراعاتها.

انهيارات، انتكاسات، حالات جنونيّة، أحلام وكوابيس، نقائض متعايشة، مزاعم ووساوس وهواجس ومخاوف، آمال وأحاسيس غير ملتقطة، بالإضافة إلى كثير من المفارقات التي تضجّ بها النفس البشريّة، وتنفتح عليها في واقعها وحياتها السرّيّة، تشكّل بؤر مقاربة للروائيّ الذي يرتاد الأعماق ويحاول رصد نقاط بعينها لتكون نماذج تبحث عن أشباه وتقاطعات لها في الواقع.

لا يتعلّق أمر رحلة الروائيّ في النفس بالانهمام بتصدير أو تصوير فضيلة أو رذيلة، ولا يختصّ بتعظيم فعل أو تقزيمه، ولا بتبرئة جانب أو تأثيمه، بل يكون بحثاً عن الغريب الذي يستوطن النفس، والجديد القارّ فيها، وتجريب مختلف السبل لاستكشافها ومواجهة التمويه الذي قد يحجبها عن الدراسة والمقاربة.

لا يتقيّد الروائيّ الرحّالة بصور الأمكنة والأوصاف الخارجيّة، تراه يتعمّق في تشريح التركيبة الداخليّة للشخصيّات، ويكون في تشريحه كالعالم الذي يقوم بتجربة علميّة ليأخذ منها الدروس والعبر، مع ملاحظة أنّ الخوض في إجراء تجارب متخيّلة على الأنفس والدواخل لا يأتي بالنتيجة نفسها كلّ مرّة، بل هناك مفاجآت تربض لمرتاد الأعماق في تحليلاته وتأويلاته، وهنا تدور الرواية في رحلتها الدائبة في النفس متحرّية عن المستجدّ الذي يكون بدوره صدى للمبتكر في عالمه الخارجيّ أو صورة من زاوية غير مرئيّة له.

كاتب سوري

17
مقالات ذات صلة