ازدراء الأديان ضرب لأسس التعايش وقبول المختلف

الخميس 2015/01/08
ازدراء الأديان لا يمكن إلا أن ينتج ردود فعل متشنجة

التعايش بين الأديان يقتضي احترامها أولا، ويفترض الإيمان بأنها تمثل سلما مشتركا من القيم الكبرى، لذلك فإن أولى خطوات تخفيف التشنج الديني والطائفي تبدأ من احترام الأديان والإيمان باختلافاتها، وهنا يبدو ازدراء الأديان مرفوضا بإجماع كل القراءات ولا يدخل في فضاء الحريات بقدر ما يمثل اعتداء على المعتقدات البشرية.

التهمة التي وجهتها نيابة السيدة زينب في مصر، بازدراء الإسلام والسخرية من شعيرة الأضحية، ضد الكاتبة فاطمة ناعوت، وحدد يوم 28 يناير المقبل موعدا لأولى جلساتها، أعادت القضية إلى السطح من جديد، وهو ما دفع أنصار الكاتبة إلى مهاجمة القانون المصري المتعلق بهذه التهم، بينما طالب فريق آخر مناهض لازدراء الأديان بعناوين الحرية، بضرورة تنفيذ العقوبات للحد من هذه الظاهرة.

يشار إلى أن المادة 98 من قانون العقوبات المصري تنص على “أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسمئة جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي”.

لذلك نسبت تهمة ازدراء الأديان إلى ناعوت، بعد أن كتبت عبارة “كل مذبحة وأنتم بخير” عبر حسابها على موقعي التواصل الاجتماعي “فيسبوك” و”تويتر”، قبل عيد الأضحى المبارك الماضي، وهاجمت شعيرة الأضحية التي اعتاد عليها المسلمون منذ ما يقرب من قرن ونصف القرن، بينما زعمت أنها مجزرة تؤذي مشاعر الآخرين.

فاطمة ناعوت ومؤيدوها غردوا خارج السرب، حيث وصفت إحالتها للمحاكمة بأنها “ضريبة يدفعها حاملو مشاعر التنوير”، وأكدت أن كل ما كتبته من تدوينات استخدمت ضدها في البلاغ المقدم إلى النيابة كان بهدف الإسهام في تنوير المجتمع، ورفضت الكاتبة الصحفية التي أثارت ضجة من قبل، عندما قالت إن القرآن مليء بالمتناقضات، أن تتبرأ من تغريداتها، معلّلة، أنه لا يمكن لأي عاقل أن يسيء لدينه، وأوضحت أن تلك الدعوى القضائية التي دفع بها أحد ما أسمتهم بـ”أذيال الإخوان” في الأساس سياسية، بسبب محاربتها لأفكار الجماعة.

وتفاعلا مع الجدل الذي أثارته القضية علّق عبدالله النجار عضو مجمع البحوث الإسلامية، على تصريحات ناعوت قائلًا لـ”العرب”، إنه ليس من العيب تحمّل نتيجة الخطأ، مشددا على أنه لا يوجد ما يسمي بـ”الحرية المطلقة”، وأن من ينادي بعدم الرقابة من الفنانين وغيرهم من الليبراليين، يمارسون تدليسا على الشعب المصري.

ومن جهته حمدي عبدالرحمن، أستاذ القانون المدني بكلية الحقوق جامعة عين شمس، قال لـ”العرب”، إن ازدراء الأديان بأي شكل من الأشكال يعد اعتداء على قدسية الاعتقاد الديني، موضحًا أن كل ما يمس العقيدة ومهاجمتها بالباطل أو الإساءة للدين وللرسول، ولا يختلف الأمر إذا قام بالفعل من ينتمون لذات الطائفة الدينية، أو من لا يعتنقونها، ويجب دوما التمييز بين حرية التعبير، والانحراف عما هو مستقر عليه من الفقهاء.

أستاذ القانون المدني عدّد جرائم الاعتداء على المعتقدات الدينية، متعلّلا في ذلك بمثل هذه الكتابات الأدبية والفكرية التي تتناول القضايا الدينية بالقدح والذم والسب والتشهير، وكذلك الكتابات التي تسخر من حياة الرسل، موضحًا أن القانون المصري أفرد العديد من المواد العقابية التي تجرّم هذه الأفعال.

معلوم أن المواثيق والقرارات الدولية التي صدرت عن منظمة الأمم المتحدة، أولت الخصوصية الثقافية والدينية والاجتماعية للمجتمعات المختلفة الاعتبار والعناية، حيث تنبّهت الأمم المتحدة لظاهرة سوء استعمال الحق في التعبير، وتجلى ذلك في قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 2008 بحظر مجاوزة الأفراد للحدود القانونية للحق في التعبير. كما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بناء على طلب مصر ودول المؤتمر الإسلامي، تقييد حرية التعبير بما يتفق مع خصوصيات كل مجتمع والقوانين السائدة فيه.

وقد أوضح عبدالرحمن، أن الاعتداء على الأديان المعاقب عليه، هو اعتداء ظاهر يصدم العين ويسترعي الانتباه،( حتى لو لم يكن صريحا أو مباشرا، أما إذا كان معناه لا يصل إلى الذهن، فإنه لا يكون اعتداء ويتم الرجوع إلى المحكمة المختصة في هذه الحالة.

تهمة ازدراء الأديان طاردت العديد من الفنانين والكتاب، وبخلاف فاطمة ناعوت وجهت التهمة ذاتها إلى الكاتب إبراهيم عيسى عندما تحدث بشكل ساخر عن الرئيس الإسلامي الأسبق محمد مرسي في برنامجه «هنا القاهرة»، أثناء تسلمه الدكتوراه الفخرية، ووصف عيسى القبعة التي ارتداها مرسي بـ»السلطانية»، مرددًا الآية القرآنية «هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ». وأوضح عيسى يومئذ أن كلمة سلطانية التي وردت في الآية تعني «سلطانية مرسي»، وبرأت محكمة جنح الدقي ابراهيم عيسى من التهمة، إثر بلاغ من محامي بـ»جبهة الدفاع عن الإسلام».

وفي الجهة المقابلة، أي في جبهة الدفاع عن فاطمة ناعوت وتبعا لذلك عن حرية التعبير، قال الروائي محمد مستجاب، لـ”العرب”، إن القانون صار سلاحاً قانوني المظهر بيد السلطات، تؤدب به المعارضين، كما صار سلاحاً بيد مشايخ التكفير.

وأوضح أن تأييد حكم أي كاتب بتهمة ازدراء الأديان، يؤكد أن مصر تعود إلى الخلف بقوة، وجميعنا نلاحظ هذا على جميع المستويات، خاصة المستويات الأخلاقية والسلوكية، مضيفا، أنه إذا كان الأدب بجميع أنواعه أحد الروافد التي تنبّه وتشير إلى هذا الخلل وكيفية علاجه، فلابد من عدم تقييده بهذه الصورة.

القضية اختزال للجدل القديم بين حرية التعبير واحترام المعتقدات، ولاشك أن رسم الحدود بين القيمتين يمكن أن يجنب المجتمع تبعات التقييد او الانفلات.

13