ازدهار الرواية البوليسية

الرواية البوليسية ولدت في المدن والعواصم الكبيرة، وانتعشت واستفادت من حياتها المعقدة، ومن قضاياها المثيرة. أما في العالم العربي فلا تكاد توجد مدن أو عواصم بالمعنى الحقيقي للكلمة.
الثلاثاء 2018/07/31
قصص مفتش سري منشغل بقضايا لم يتمكن من إيجاد حلول لها

خلال العقد الأخير، شهدت الرواية البوليسية انتشارا واسعا في البلدان الغربية، وبات الإقبال عليها منقطع النظير. لذلك لم يعد من الغريب في شيء أن تخصص لها المجلات الأدبية الرفيعة ملاحق خاصة. وفي فرنسا وإيطاليا وأسبانيا وألمانيا والبلدان الأسكندنافية، تنتظم مهرجانات للاحتفاء بها، وبمشاهير كتابها. والعديد من الروايات البوليسية تتصدر قائمة أعلى الكتب مبيعا في باريس ولندن ونيويورك وميلانو وستوكهولم وغيرها من العواصم والمدن.

ويرى العديد من كبار النقاد أن أعمال كتاب الرواية البوليسية أمثال جيمس الروي، ودينيس ليهان، ودونالد واست لايك، وآخرين، لا تقل أهمية من الناحية الفنية عن الروايات الأدبية الشهيرة. وهي ليست للتسلية، وللعطل، وإنما هي تنتسب إلى الأدب الرفيع، ذلك الذي تتميز به أعمال فلوبير وفوكنر ورايمون كارفار وماريو فارغاس يوسا وغابرييل غارسيا ماركيز وفيرجينيا وولف وغيرهم. وتزداد الروايات البوليسية شهرة وانتشارا بعد أن تتحول إلى أفلام ناجحة جماهيريا. وهذا ما يحدث مع الروايات البوليسية التي تكتب في الولايات المتحدة الأميركية. وثمة روايات بوليسية رائعة على جميع المستويات لم تكن تترجم خشية ألّا تشهد النجاح المؤمل. لكن خلال العقد الأخير، انتفت هذه الحالة، وأصبحت دور النشر تتنافس لنشر روايات من هذا الصنف.

ويعتقد النقاد أيضا أن من أسباب نجاح الروايات البوليسية أنها تعكس في مجمل أحداثها وطبائع شخصياتها التغيرات في عالم اليوم والصراعات والنزاعات التي تتهدده أفضل من البعض من الأعمال الأدبية.

وفي هذه الروايات اتخذ التقسيم القديم بين الشرق والغرب منذ سنوات أشكالا جديدة. والناس الذين يكرهون القيم الغربية الحضارية والثقافية يتخذون من العنف والحرب وسيلة للاستحواذ على السلطة، وفرض أنظمة دكتاتورية. وتوحي البعض من الروايات البوليسية بأن السلام وهم، وأن الحرب لن تتوقف أبدا، ولا يمكن للعالم أن يعيش من دونها. لذلك يتوجّبُ على الناس أن يكونوا على استعداد دائم لخوض المعارك. أما الذين يتخلون عن أسلحتهم فهم “أغبياء وسذج”.

ومن أهم ما تتميز به الروايات البوليسية هي اللغة السوقية التي يتكلمها أبطالها في الحانات المعتمة والشوارع الخلفية، والحيل التي يبتكرها اللصوص، والمفتشون السريون، وتجار المخدرات، والمهربون للتخلص من المآزق التي يواجهونها. ثم إن الروايات البوليسية تعكس ما تتصف به الحياة البشرية من مواصفات تتمثّل في الجبن والشجاعة والخيانة وغير ذلك.

ويركز أغلب كتاب الرواية البوليسية على عوالم في طور التفتت والانحلال، تنخرها الأمراض الاجتماعية والنفسية، وتمزقها المظالم الاجتماعية. كما أنهم يهتمون بالأحياء الفقيرة في المدن الكبيرة حيث المخدرات والجريمة المنظمة والعنصرية في أبشع مظاهرها. وفي رواياتهم هم يروون قصص مفتشين سريين منشغلين بقضايا لم يتمكنوا من إيجاد حلول لها. لذلك يجدون أنفسهم مجبرين على أن يمضوا الليل والنهار في الإحياء الخلفية بحثا عمّا يمكن أن يفكّ الغاز القضايا التي هم بصدد معالجتها. لكن لماذا لم تعرف الرواية البوليسية أي ظهور أو انتشار في العالم العربي حتى هذه الساعة؟

الأسباب مختلفة ومتعددة، وغياب الحرية من أهمها إذ أن الأنظمة لا تزال تعتبر أن قضايا الجريمة هي من اختصاص مؤسساتها الأمنية والقضائية. لذلك تتعمد هذه الأنظمة فرض الرقابة المطلقة على مثل هذه القضايا، محرمة على الكتاب والباحثين الاهتمام بها، والبحث في شأنها. كما أن هذه الأنظمة تعتبر أن الكتابة عن قضايا الجريمة قد يمسّ بأمنها، ويفضح فسادها، وتخلفها، وقمعها لكل من يخالف سياستها، ويعري قبحها.

وأما السبب المهم الآخر فهو أن الرواية البوليسية ولدت في المدن والعواصم الكبيرة، وانتعشت واستفادت من حياتها المعقدة، ومن قضاياها المثيرة. أما في العالم العربي فلا تكاد توجد مدن أو عواصم بالمعنى الحقيقي للكلمة. وفي جلّ هذه العواصم وهذه المدن، تتجلى مظاهر التريّف، وفيها تكثر المحرمات، لتكون الحياة فيها رتيبة، مملة ومسطحة، وخالية من تلك الإثارة التي هي عنصر أساسي في مضامين جل الروايات البوليسية.

14