ازدهار السوق السوداء يستنزف ما تبقى من الاقتصاد الليبي

تشتت الأجهزة الإدارية والأمنية وسع ظاهرة التهريب، وعجز مالي مزدوج يحركه ارتفاع المصروفات في الموازنة.
الأربعاء 2018/05/02
أموال خارجة عن سيطرة الدولة

طرابلس – تزايدت التحذيرات من دخول الاقتصاد الليبي إلى مستوى أعمق من الأزمة، في ظل تنامي انتعاش التجارة غير الشرعية، بسبب ضعف أجهزة الدولة واستمرار تشتتها بين حكومتين في الشرق والغرب.

وأعطى معهد المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” البريطاني، في تقرير حديث، أرقاما مفزعة حول ازدهار السوق السوداء طيلة السنوات السبع الأخيرة، ومنها تهريب السلع والبشر وتجارة السلاح والمخدرات.

ويقول خبراء المعهد إن إحدى السمات المميزة للاقتصاد السياسي الليبي تتمثل في إمكانية قيام مجموعات محلية صغيرة بإلحاق ضرر كبير بموارد الدولة.

وتسبب الاقتتال في مناطق متفرقة من ليبيا والصراع بين حكومتين على مؤسسات الدولة، في توقف الإمدادات من الموانئ والمعابر التي تمد أنحاء البلاد والمناطق الداخلية الأخرى، بالسلع.

وسيطر الزعيم الليبي الراحل، معمر القذافي، طيلة فترة حكمه التي دامت 42 عاما، على التهريب، لكن سقوط نظامه أطلق تنافسا بين جماعات محلية للسيطرة على طرق التهريب من أجل جني المال.

تشاتام هاوس: تهريب الوقود كلف ليبيا العام الماضي حوالي 3.6 مليار دولار
تشاتام هاوس: تهريب الوقود كلف ليبيا العام الماضي حوالي 3.6 مليار دولار

وأشعل ذلك التنافس صراعات في كامل أنحاء ليبيا، حيث يتناحر أفراد وشبكات ومجتمعات محلية عرقية وقبلية، على أسبقية في سوق غير شرعية تنمو بشكل مطرد.

وتطورت طرق التهريب عبر الصحراء منذ 2011، فلم تعد قاصرة على الممرات التجارية غير الرسمية للسلع المهربة، بل شملت أيضا قنوات لتهريب الأسلحة والمخدرات والوقود والسجائر المزيفة، وكذلك تهريب البشر.

وفي المناطق الحدودية كان تهريب السلع المدعمة، كالوقود والأرز والمواد الغذائية الأخرى، عنصرا حاسما في الحياة الاقتصادية للبلاد.

وأدى انتشار الأسلحة والجماعات المسلحة إلى تغيير تركيبة قطاع التهريب، ما أجبر مهربين قدامى على الابتعاد مع قدوم عناصر جديدة.

وتفيد أرقام مسربة عن مكتب التحقيقات الخاص بالمدعي العام الليبي بأن تهريب الوقود كلف البلاد العام الماضي، 5 مليارات دينار (3.6 مليار دولار)، دون تحديد فترة زمنية.

وأشار التقرير إلى أن الدولة تسلمت 15 بالمئة فقط من الدخل المتوقع من الضرائب على منتجات الوقود المكرر الموزع محليا، خلال عشرة أشهر.

وتعتمد ليبيا بشكل كلي تقريبا على العوائد النفطية، التي تشكل معظم عوائد الدولة من النقد الأجنبي، وهي تمثل شريان الحياة الوحيد في البلاد.

وتلقى الاقتصاد الليبي ضربات شديدة من تراجع صادرات النفط بحوالي 80 بالمئة عن مستويات ما قبل الثورة حين كانت تصل إلى 1.6 مليون برميل يوميا في عام 2010.

وتفاقمت الأزمة حين تقلصت العوائد أكثر نتيجة تراجع أسعار النفط العالمية منذ منتصف العام 2014، رغم تعافيها بسبب اتفاق خفض الإنتاج بين منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) ومنتجين خارجها.

ويعتقد مكتب التدقيق الليبي أن حوالي 30 بالمئة من الوقود المدعوم يتم تهريبه على كامل حدود البلاد، ويرجح أن الدولة خسرت نحو 1.8 مليار دولار سنويا على مدى السنوات الخمس الماضية.

ويتم تهريب الوقود بثلاث طرق رئيسية، التهريب البري عبر الحدود لكميات صغيرة، وتحويل إمدادات الوقود داخل البلاد بشكل غير قانوني، ليتم بيعها بأسعار السوق الموازية، بدلا من الأسعار المدعومة، والتهريب البحري لكميات كبيرة.

مصرف ليبيا المركزي: الدين العام لليبيا ارتفع في 2017 ليبلغ حاجز 74.7 مليار دولار
مصرف ليبيا المركزي: الدين العام لليبيا ارتفع في 2017 ليبلغ حاجز 74.7 مليار دولار

والأكثر شيوعا هو عبور مجموعة صغيرة نسبيا من المهرّبين الحدود التونسية، باستخدام سيارات معدلة وعربات صغيرة مزودة بخزانات وقود كبيرة الحجم أو سلسلة من الدِلاء البلاستيكية الصغيرة.

وتواجه ليبيا أزمة مالية في ظل استمرار الفوضى الأمنية، التي تسببت في خسائر نفطية فادحة، ما زاد من الشكوك حول قدرة الدولة على توفير السيولة المطلوبة لتغطية الإنفاق خلال العام الجاري.

ووصف البنك الدولي الاقتصاد في ليبيا بالمتغير غير المستقر نتيجة إصابته بتضخم قياسي غير مسبوق وعجز مالي مزدوج يحركه ارتفاع المصروفات في الموازنة.

ووفق تقرير البنك الدولي للعام 2018، فإن معدلات التضخم سجلت مستوى قياسيا نسبته 28.4 بالمئة في العام الماضي، بعد أن كان عند نحو 25.9 بالمئة قبل عام.

وأدى ارتفاع معدل التضخم إلى مجموعة من المتاعب التي أثرت سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين والتي منها ضعف الخدمات الأساسية وزيادة معدلات الفقر وارتفاع أسعار السلع الأساسية وانخفاض قيمة الدينار أمام الدولار في السوق الموازي.

وارتفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار في السوق الموازي بشكل ملحوظ أمس، حيث بلغ 6.57 دينار لكل دولار مقارنة بنحو 6.52 دينار للدولار مطلع هذا الأسبوع.

وتظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي أن الدين العام بلغ بنهاية الربع الأول من العام الحالي نحو 74.7 مليار دولار، مقابل حوالي 53.8 مليار دولار، بمقارنة سنوية.

ويقول محللون إن الوضع الراهن يهدد بتفاقم الدين العام وبتقلص فرص تعافي الاقتصاد في المستقبل لا سيما في ظل ارتفاع الإنفاق الحكومي وتضرر البنية التحتية للبلاد بشكل كبير وتردي القطاع المصرفي.

10