ازدهار المدارس الخاصة في العراق تعبير عن أزمة التعليم الحكومي

يؤكد خبراء قطاع التعليم في العراق على أن ضغوط الوضع المتردي داخل المدارس الحكومية دفعت إلى تزايد أعداد نظيرتها الخاصة، في وقت تحاول فيه الأخيرة كسب ثقتها في أولياء أمور الطلاب عن طريق فرض نمط تعليمي يراعي جوانب عديدة منها دعم حظوظهم في التفوق وتخريج أجيال كفؤة.
الثلاثاء 2018/02/06
التعليم الخاص هو الحل

بغداد - يشهد العراق خلال الفترات الأخيرة توجها ملحوظا نحو المدارس الخاصة التي أضحت تستقطب أعدادا كبيرة من الطلاب، فيما بقيت المدارس الحكومية في طور يصفه الخبراء والمتابعون لقطاع التعليم بأنه الأسوأ وفي تراجع مستمر، حيث انصب التركيز على ما يوفره التعليم في المدارس الخاصة من امتيازات تسمح بمضاعفة الجهود حتى للعائلات المفقرة بالمسارعة إلى تسجيل أبنائها في هذه المدارس.

ويقر مهتمون بقطاع التربية في العراق بأن تدعّم مؤسسات التعليم الخاص في العراق على حساب المدارس الحكومية يعود بالأساس لجهة ما عرفته الأخيرة من تدهور على المستوى التربوي ونقص في التجهيزات إضافة إلى اكتظاظ صفوفها الكبير، ما أدى إلى نفور العديد من الطلاب منها.

ويتحسّر العراقيون بمرارة على أحوال المدارس الحكومية في بلادهم ويحاولون استعادة ذكريات ما قبل الغزو الأميركي في العام 2003، ويقارنون ذلك بما وصل إليه الحال اليوم من مستوى هزيل، وهو ما أكده المنتدى الاقتصادي العالمي في 2016 بخروج العراق من معايير جودة التعليم.

ويبقى الفساد الحكومي السبب الأول في تدهور التعليم، مثلما هو الحال في بقية قطاعات الدولة، إذ تصنف منظمة الشفافية الدولية العراق ضمن المرتبة الثامنة بين أكثر البلدان فسادا في العالم.

وفيما كانت الحكومة العراقية قبل عام 2003 تسمح بافتتاح رياض أطفال وكليات خاصة، وتستثني من ذلك المدارس الابتدائية والثانوية، لتحافظ على جودة التعليم، إلا أن الأمر اختلف كليا في السنوات الأخيرة، حيث باتت تنتشر المدارس الخاصة، الابتدائية والثانوية، في جميع محافظات البلاد.

مسؤولون في قطاع التعليم في العراق يؤكدون أن تواصل تدهور التعليم الحكومي شجع على افتتاح المزيد من المدارس الخاصة

وليس ذلك فحسب، بل إنّ ثقة أولياء أمور الطلاب تنالها فقط المدارس الخاصة اليوم، بعدما شهدت المدارس الحكومية تدهورا كبيرا بشهادة هؤلاء (أولياء أمور الطلاب) وتؤكدها أيضا نتائج الامتحانات العامة التي تظهر ارتفاع نسبة الرسوب.

وقال محمد العيساوي الذي عمل في إدارة عدد من المدارس الخاصة، إن “بداية إنشاء هذه المدارس كانت لجذب الطلاب من أبناء العائلات الميسورة، وما شجع المستثمرين على إنشاء هذه المدارس هو تدهور حالة التعليم الحكومي”.

وتتركز المدارس الخاصة في بغداد بصورة خاصة وتشهد زخما غير مسبوق. وبحسب وزارة التربية العراقية، فإن البلاد تحتاج إلى نحو سبعة آلاف مدرسة جديدة لحل مشكلة الدوام المزدوج وتقليل أعداد الطلاب في كل فصل.

ويؤكد المشرف التربوي باقر حسن أن فشل التعليم الحكومي وانجذاب الكوادر التعليمية الجيدة إلى المدارس الخاصة ساهما في تزايد أعداد المدارس الأهلية التي أضحت للكثيرين مكانا مثاليا للتعليم.

وأمام هذا الركود الذي تعانيه المدارس الحكومية وعزوف العائلات عن إرسال أبنائها إليها، تسعى وزارة التربية العراقية بعد تراجع أعمال العنف إلى محاولة الاهتمام بتشييد مدارس جديدة وإعادة تهيئة المدارس التي تأثرت خلال الحرب.

وأكد وزير التربية محمد إقبال الصيدلي أن هناك مباحثات ثنائية جارية بين وزارة التربية والصندوق الكويتي للتنمية بغرض بناء 74 مدرسة جديدة. وقال إنه تم الاتفاق على بناء هذا العدد من المدارس في بغداد وبقية المحافظات، وقد خصص الصندوق الكويتي للتنمية مبلغ 100 مليون دولار لغرض إنجاز بناء تلك المدارس وبفترة زمنية لا تتعدى 24 شهرا.

وتعاني المدارس الحكومية العراقية من العديد من الأزمات التي يستحيل معها تقديم دوام كامل للطلاب والاهتمام بمشاغلهم الدراسية، ورغم ذلك فإن طاقة استيعابها لم تتراجع.

ويقول العيساوي إنه “في الوقت الذي تصل أعداد الطلاب في الصف الواحد داخل المدارس الحكومية إلى 50 طالبا وربما أكثر، ويتزاحمون في الجلوس على المقاعد ويصل الأمر إلى حد افتراش الأرض مع نقص في الأثاث وعدم وجود أجهزة تكييف، فإنّ المدارس الأهلية (الخاصة) لا تعاني من كلّ هذه المشاكل، إذ لا يتجاوز عدد طلاب الصف الواحد فيها 20 طالبا، وتوفر لهم مقاعد مريحة وصفوفا مكيفة ووسائل تعليمية عديدة ومتطورة”.

ويؤكد مسؤولون في قطاع التعليم على أن التدهور المتواصل للتعليم الحكومي شجع على افتتاح المزيد من المدارس الخاصة، التي أصبحت مشروعا استثماريا ناجحا بالنسبة إلى أصحاب رؤوس الأموال بل أصبحت مجموعات من الأشخاص تتشارك لافتتاح مدارس خاصة، حتى فاق عددها في العراق 1300 مدرسة.

ويقر هؤلاء بأن الدراسة في المدارس الخاصة لم تعد حكرا على أبناء العائلات الميسورة فقط، بل إن العائلات التي تعتبر من الطبقة الأدنى وحتى الكثير من العائلات الفقيرة باتت تخيّر الدخول تحت سقف الاستدانة لأجل تعليم أبنائها في هذه المدارس.

وزارة التربية العراقية تسعى، بعد تراجع أعمال العنف، إلى محاولة الاهتمام بتشييد مدارس جديدة وإعادة تهيئة المدارس التي تأثرت خلال الحرب

وقالت الناطقة باسم الوزارة، سلامة الحسن، في بيان إن “وزارة الإسكان والإعمار ووزارة الصناعة السابقتين تعاقدتا مع شركات قطاع خاص لبناء المدارس”، مشيرة إلى أن 50 بالمئة من الأموال المرصودة أحيلت إلى تلك الشركات التي لم تنجز سوى 10 بالمئة من الأعمال. ويؤكد مسؤولون حكوميون أن العراق في حاجة إلى 10 آلاف مدرسة لسد النقص الحاصل وإنهاء قضية الدوام الثلاثي، ويشيرون باستمرار إلى أن قلة التخصيصات المالية أثرت بشكل كبير على بناء المدارس.

ووفقا لما أثير من قبل جهات سياسية حول ملفات الفساد الحكومية التي شملت مشاريع بناء وتأهيل المدارس، فقد أنفق العراق منذ عام 2003 أكثر من 22 مليار دولار أميركي على قطاع التعليم الأساسي، وتعتبر مشكلة المدارس الطينية (مدارس مبنية من الطين) من أبرز ملفات الفساد، حيث تم تخصيص ميزانية لبناء مدارس حديثة في مقابل إزالة القديمة منها، لكن مازالت توجد أكثر من ألفي مدرسة طينية في العراق.

ويقول أحد أولياء الأمور إنه “كان لزاما عليّ أن أنقل ولديّ إلى مدرسة خاصة، فقد توضح لي أن المشكلة التعليمية عامة في جميع المدارس الحكومية. ومنذ دخولهما لمدارس أهلية حققا علامات جيدة”. ويضيف “هذه المدارس متميزة والتعليم فيها متطور وإداراتها تحرص باستمرار على توفير أحدث وسائل التعليم وطرق التدريس التي تنمي قدرات الطلاب الفكرية”.

وبدورها تقول الأم هناء عباس إنها هي الأخرى نقلت ابنتها إلى مدرسة أهلية، بعدما وجدت في التعليم الحكومي “خسارة في الوقت والمال”. وتشير إلى وجود “الكثير من المشكلات وأولها الفساد الإداري وفساد أغلب الكوادر التعليمية”، موضحة أن “التعليم اليوم اختلف كثيرا عن التعليم في السابق. إنهم اليوم لا يوصلون المعلومة للطالب بالشكل الصحيح، كي نضطر إلى الاستعانة بالدروس الخصوصية”.

17