ازدهار تجارة الأدوية المهربة بعد اختفاء مئات الأصناف من صيدليات مصر

مناشدات لتأسيس هيئة مستقلة لتنظيم ورقابة سوق الدواء المحلية، وشركات الأدوية تطالب باستلهام تجارب السعودية والأردن.
الاثنين 2018/06/11
رؤية حكومية ضيقة لأزمة الأدوية

القاهرة – طالبت غرفة القاهرة التجارية بتأسيس هيئة مستقلة لتنظيم سوق تجارة وصناعة الدواء، على غرار تجارب السعودية والكويت والأردن في تنظيم السوق لمواجهة مشكلة نقص الأدوية التي تسببت فيها القرارات الحكومية التي حادت عن مسارها طيلة السنوات الماضية.

ويتم تسعير الدواء في مصر من خلال لجنة تابعة لوزارة الصحة، والتي دخلت في اشتباكات مستمرة بين الحكومة والشركات، بسبب أنها تفرض أسعارا للأدوية تراها مناسبة من وجهة نظرها وتشكك دائما في حسابات التكليف للشركات.

وقال حاتم البدوي، سكرتير شعبة الأدوية بغرفة القاهرة التجارية، إن “هناك تعمدا في عدم فصل ملف الدواء عن وزارة الصحة، فمن يتولى هذه الحقيبة يكون دائما طبيبا ويستمد قوته من هذا الملف”.

وأوضح لـ“العرب”، أن شعارات حماية المواطنين التي تتشدق بها وزارة الصحة من تغول شركات الدواء باتت وهمية وكشفتها الضغوط الأخيرة، حيث رضخت الوزارة لشروط الشركات المحلية والعالمية، ورفعت الأسعار بشكل عشوائي وفق النسب التي حددتها الشركات.

تراجع التضخم المصري يفوق التوقعات

القاهرة - أظهرت أرقام رسمية حديثة أمس أن تضخم أسعار المستهلكين السنوي بالمدن المصرية تراجع إلى 11.4 بالمئة في مايو من 13.1 بالمئة في أبريل، في انخفاض يفوق ما توقعه صندوق النقد الدولي. وذكر الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء أن وتيرة التضخم تراجعت على أساس شهري إلى 0.2 بالمئة في مايو من 1.5 بالمئة في الشهر السابق. ورحب أحد المحللين بالأرقام باعتبارها “نبأ طيبا للأسواق” وقال إنها قد تعزز بعض التكهنات بخفض البنك المركزي لسعر الفائدة في الاجتماع القادم للجنة السياسة النقدية المقرر في الـ28 من يونيو الجاري. ونسبت وكالة رويترز للمحلل آلان سانديب رئيس الأبحاث لدى النعيم للوساطة قوله إنه “بفرض أن الأرقام دقيقة، هذا بالتأكيد تطور إيجابي غير متوقع في ما يخص البيانات الخاصة بالاقتصاد الكلي”، لافتا إلى أنه “تطور مغاير لما تشهده بقية الاقتصادات الناشئة من زيادة مطردة في التضخم”. وكان صندوق النقد قال في تقرير في يناير الماضي إنه يتوقع أن ينخفض التضخم إلى 12 بالمئة بحلول يونيو وإلى رقم في خانة الآحاد بحلول 2019. وحذر خبراء الصندوق مرارا من خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع من اللازم وحث البنك المركزي المصري على أن يظل حذرا. وزاد التضخم في العام الماضي، على خلفية الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة ببرنامج قرض من صندوق النقد قيمته 12 مليار دولار وقعت عليه القاهرة في أواخر عام 2016 تضمن إصلاحات أرهقت المواطنين وحدّت كثيرا من قدرتهم الشرائية. وارتفعت الأسعار على الأخص بعد أن حررت البلاد التي تعتمد على الواردات سعر صرف الجنيه المصري في نوفمبر 2016، ليصل التضخم إلى مستوى قياسي مرتفع عند 33 بالمئة في يوليو 2017، بيد أن معدلات التضخم تنخفض تدريجيا منذ ذلك الحين.

ووصل عدد الأدوية التي اختفت من السوق إلى 222 صنفا نتيجة تعنت الحكومة في عدم الاعتراف بفشل إدارة تلك المنظومة، ومعظمها أدوية لعلاج أمراض السكري والضغط والقلب، وهي الأمراض التي تصيب أغلب المصريين.

ويقول هاني، وهو عامل كان يقف أمام صيدلية الإسعاف التابعة للحكومة وتقع في وسط القاهرة لـ“العرب”، أبحث عن أدوية القلب ولا أجدها في السوق وأضطر في النهاية إلى الذهاب لصيدلية الإسعاف عسى أن أجد فيها الدواء.

ودخل في الحوار أبومحمد، والذي بدت على وجهه علامات الشقاء، وقال “أبحث لأمي عن دواء الشلل الرعاش الذي اختفى تماما من الأسواق”، مؤكدا أن تجارة بدائل الدواء الذي يبحث عنه أخذت في الانتشار في الصيدليات بشكل كبير وبأسعار تفوق قدراته.

وأضاف لـ“العرب”، “كنت أشتري علبة الدواء الأصلي بعشرين جنيها (1.12 دولار)، وتسبب اختفاؤه في ارتفاع أسعار بدائله 13 مرة، ووصلت إلى 265 جنيها (14.8 دولار)”.

ويصل عدد الأدوية المتداولة في السوق المصرية إلى نحو 7010 أدوية، اختفى منها خلال العامين الماضيين أكثر من 20 بالمئة نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد عقب تحرير سعر صرف العملة المصرية.

وتستورد المصانع أكثر من 90 بالمئة من المواد الخام في صناعة الأدوية، فيما تستورد الدولة 20 بالمئة من احتياجات سوق الدواء تامة الصنع وتوفر المصانع المحلية الباقي، ومعظمها بديلة للأدوية الأصلية، إذ تسمح الشركات العالمية لنظيرتها المحلية بتصنيعها وهي معروفة بالأدوية الجنيسة.

ورجح خبراء سبب هيمنة وزراء الصحة طوال السنوات الماضية على ملف صناعة الدواء، أنه الأقوى في المنظومة الصحية، ويعطي المسؤولين المعنيين به ثقلا، الأمر الذي أدى إلى تردي منظومة الرعاية الصحية نتيجة التركيز على هذا الملف وإهمال المستشفيات وتطويرها.

وأيد هذا الاتجاه حسين الصباغ، عضو مجلس بحوث الدواء بأكاديمية البحث العلمي، وقال في تصريح لـ“العرب”، إن “مصر تخلفت عن ركب الأسواق المجاورة في تطوير الصحة والدواء، رغم أنها كانت الأولى عربيا في تلك المنظومة”.

ويبلغ عدد المصانع العاملة في صناعة الدواء بمصر حاليا نحو 154 مصنعا، فضلا عن وجود 50 مصنعا أخرى تحت الإنشاء.

وكانت القاهرة تسعى لتأسيس هيئة لسلامة الغذاء والدواء معا خلال السنوات الماضية، إلا أن تعقد مشكلات الدواء جعلها تفصل الدواء عن الغذاء، وأسست منذ عام أول هيئة لسلامة الغذاء.

وتسبب غياب هيئة مستقلة للدواء في صعوبات كبيرة في عمليات تسجيل الأدوية الجديدة وتراخيصها وإنشاء المصانع الجديدة، الأمر الذي زاد من ظاهرة تهريب الأدوية للسوق المحلية، وبيعها في ظل غياب الرقابة.

وقدرت شعبة الأدوية بالغرفة التجارية بالقاهرة حجم السوق السوداء للأدوية بنحو 525 مليون دولار، وبالتالي يمثل 15 بالمئة من حجم سوق الدواء الإجمالي والذي يصل إلى نحو 3.5 مليار دولار.

ورفعت وزارة الصحة أسعار 30 صنفا من الدواء مؤخرا، بنسب تتراوح بين عشرة إلى خمسين بالمئة مجددا، بعد عام ونصف العام من رفع أسعار نحو 3010 أصناف.

وأكد صبري الطويلة، رئيس لجنة صناعة الدواء بنقابة الصيادلة لـ”العرب”، أن قرار زيادة الأسعار لم يقض على ظاهرة اختفاء الأدوية، ووزارة الصحة تعزف منفردة، ولم تشارك النقابة في كيفية تطبيقه، مع أن جميع صيدليات الدواء تحت مظلة النقابة.

ويكشف ذلك عن خلل في تنظيم تلك السوق، نتيجة عدم وجود هيئة للدواء تراقب السوق وتضمن حرية آليات العرض والطلب، فضلا عن مواجهة عمليات التهريب ومراقبة منافذ بيع الدواء.

ويبلغ عدد الصيدليات بالبلاد 64 ألف صيدلية، فيما يصل عدد الأطباء الأعضاء في نقابة الصيادلة إلى نحو 203 ألف شخص.

وفشلت وزارة الصحة العام الماضي في مهمة غسل السوق من الأدوية منتهية الصلاحية، وتصاعدت أزمة بين الشركات ونقابة الصيادلة ووزارة الصحة، مما حدا بغرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات المصرية إلى إصدار بيان للدفاع عن الشركات.

وهرعت نقابة الصيادلة وأصدرت بيانا مضادا أكدت فيه، أن الشركات لم تلتزم بسحب الأدوية منتهية الصلاحية من الصيدليات، وفي تلك الأثناء لم تتحرك وزارة الصحة لرأب الصدع نتيجة وجود هيئة تنظم هذه المنظومة التي فشلت فيها وزارة الصحة.

ويصل حجم الاستثمار في قطاع الدواء بالبلاد إلى 5.6 مليار دولار، ويستحوذ الدواء على حوالي 17 بالمئة من تكلفة الخدمة الصحية.

11