ازدواجية التعامل مع ملف الفضائيات تقلص مساحة الحريات في الجزائر

أثار إغلاق قناة الوطن الجزائرية مؤخرا، انتقادات واسعة في الوسط الإعلامي الجزائري حول مزاجية السلطة في التعامل مع القنوات الفضائية، وعدم وجود معايير واضحة لضبط وتنظيم القطاع السمعي البصري في البلاد.
الخميس 2015/10/15
إغلاق قناة الوطن تم قبل أن يفصل القضاء في الدعوى التي رفعتها وزارة الاتصال ضد إدارة القناة

الجزائر - انتقد إعلاميون وحقوقيون جزائريون المعايير المزدوجة التي تتعامل بها السلطة مع ملف القنوات الفضائية في البلاد، ففيما تشهد الساحة وجود 43 قناة فضائية تقع مقارها الرئيسية في عواصم عربية وغربية، تهتم بالواقع الجزائري، عبر مكاتبها في العاصمة ووهران، لم يتم توقيف إلا قناتي الأطلس في أبريل 2014، والوطن منذ يوم الأحد الماضي، بدعوى التواجد غير الشرعي وبث مضامين مسيئة لرموز الدولة، في إشارة لاستضافة قناة الوطن لمن يعرف بقائد جيش الإنقاذ المنحل مدني مزراق، الذي سبق أن استضافته قنوات أخرى وأدلى لها بتصريحات أكثر خطورة من تلك التي أدلى بها للوطن.

ووصف الناشط الحقوقي والنائب المستقيل من البرلمان الحالي مصطفى بوشاشي، في تصريح لـ”العرب” قرار وزارة الاتصال بغلق قرار قناة الوطن بـ”المسيء والمضر بصورة وسمعة الجزائر أمام الرأي العام الدولي، بالنظر لطابعه الإداري الاستعراضي الذي تجاوز كل الأعراف والقوانين، خاصة وأن إدارة القناة لم تتعرض لأي تنبيه أو توبيخ أو تغريم، كما أن القرار نفذ قبل أن يفصل القضاء في الدعوى التي رفعتها الوزارة ضد إدارة القناة”.

وأضاف أن “القطاع السمعي البصري في الجزائر لا زال رهينة ارتباك السلطة، وضحية التجاذبات السياسية بين الأجنحة المتصارعة، فحتى الآن لا توجد هيئة شرعية تشرف على القطاع، والدائرة الوزارية هي التي تؤدي دور سلطة الضبط، بموجب القانون الأخير للإعلام الصادر في العام 2012، ولليوم مازالت هيئتا ضبط السمعي البصري والصحافة المكتوبة شاغرتين، بسبب تأخير غير مبرر في إنشاء الهيئتين”.

وباستثناء الصحافة المكتوبة، فإن قطاع السمعي البصري في الجزائر يعرف حالة استثنائية وفوضى عارمة، بسبب عجز السلطة عن تسيير القطاع بعد تحريره بموجب الإصلاحات السياسية التي أعلنها الرئيس بوتفليقة في العام 2011، حيث يوجد 43 قناة فضائية بحسب إحصاءات الوزارة، لكنها تعتبر قنوات أجنبية لأن مقارها الرئيسية ووثائقها الإدارية والجبائية مُوَطّنة في عواصم عربية وغربية، بسبب إطلاقها قبل ميلاد قانون تحرير القطاع، لكن مضامينها موجهة للداخل الجزائري، وتعتمد كلية على مكاتب واستديوهات لإنجاز برامجها.

ورغم هذا العدد من الفضائيات التي تم إطلاقها منذ العام 2011، إلا أن الوزارة الوصية لم تمنح الاعتماد إلا لخمس فضائيات فقط كقنوات أجنبية، وهو ما اعتبر إجحافا وانتقائية في التعاطي مع الملف، إذ لم تعتمد إلا القنوات المقربة من السلطة والتي دعمت ترشح الرئيس بوتفليقة للعهدة الرئاسية الرابعة، بينما تنشط مكاتب البقية بدون أي ترخيص ويتم التعامل الرسمي معها، ولم يتم توقيف إلا قناتي الأطلس في أبريل 2014 بسبب معارضتها لترشح الرئيس بوتفليقة، والوطن على خلفية ما اسمته وزارة الاتصال ببث مضامين مسيئة لرموز الدولة، في إشارة للتصريح الذي أدلى به مدني مزراق في أحد برامجها تجاه رئيس الجمهورية.

مصطفى بوشاشي: القطاع السمعي البصري في الجزائر لا زال رهينة ارتباك السلطة

ويقول المحامي والنائب السابق في تصريحه لـ”العرب”، إن ما وقع لقناة الوطن مؤشر خطير على نوايا السلطة في تقليص هامش حرية التعبير والصحافة، وارتباك واضح في تعاطيها في التعاطي مع المستجدات السياسية والإعلامية، ففيما تعاقب القناة بالإغلاق بموجب قرار إداري ويتم تسريح أكثر من 150 عاملا، يبقى المتهم الأول حرا طليقا ولم يصدر بشأنه أي ملاحقة من طرف السلطة، رغم أنه هو صاحب التصريح الذي أثار المسألة.

ويقول مراقبون في الجزائر، إن قناة الوطن دفعت فاتورة التجاذبات السياسية المستجدة في هرم السلطة، وما يجري هو تصفية حسابات، بحيث يبقى صاحب التصريح المهدد لرئيس الجمهورية بعيدا عن أي متابعة، في حين تم توقيف شخصيات عسكرية وحقوقية بسبب تصريحات صحفية، على غرار الجنرال المتقاعد حسين بن حديد، والإعلامي والناشط حسان بوراس، أما مدني مزراق فهو حر طليق، كما أن القنوات التي استضافته في السابق لم تتعرض لنفس المساءلة التي تعرضت لها قناة الوطن من السلطة.

وكانت قنوات فضائية قد استضافت في السابق شخصيات من التيار الإسلامي المتطرف، كمدني مزراق ورئيس حزب جبهة الصحوة ( قيد التأسيس) عبدالفتاح حمداش، الذي أطلق حينها تصريحات أخطر برأي المراقبين، لما تحدث عن “التكفير”، و”فتح سفارة لتنظيم داعش لو كان رئيسا للجزائر”، لكن لم تتم لا متابعته شخصيا ولا متابعة القناة التي استضافته، وهو ما يطرح استفهامات حول انتقائية السلطة في التعاطي مع الملف.

واستغرب مالك قناة الوطن ومديرها جعفر شلي في اتصال مع “العرب”، تقلب وزارة الاتصال في التعامل مع المسألة، حيث سبق لمسؤوليها أن أبلغوه لما استدعي لتقديم توضيحات حول استضافة مدني مزراق والتصريحات المسيئة للرئيس بوتفليقة في البرنامج، بأن الملف قد طوي، قبل أن يفاجأ الطاقم الصحفي والعامل في المكتب بمداهمة المقر وحجز معداته وتشميعه.

ووصف القرار بـ”الغدر الفاضح والطعن العلني لحقوق الإنسان وعملا تمييزيا، خاصة وأن الوزير حميد قرين، كان قد أعلن عن مقاضاة الوزارة للقناة، فلماذا صدر القرار الإداري قبل أن تفصل المحكمة في القضية؟”.

ويعد المتحدث واحدا من رجال الأعمال الذي يواجه صعوبات ومضايقات دفعته لحمل استثماراته إلى خارج الجزائر، بدعوى الابتعاد عن يد اللوبيات التي تحاصره، وقال شلي،” دفعت الثمن غاليا أمام جنرالات الجزائر في وقت سابق، وأنه تم التضييق على نشاطاتي التجارية ودفعت ضريبة

غالية مع بداية الانفتاح الاقتصادي، واليوم عادت المافيا في تجديد عقابها بغلق القناة التي أملكها”.

وتسود الشارع الإعلامي الجزائري حالة من الاستياء والخوف، جراء القرارات غير المبررة من طرف السلطة في التعامل مع ملف الإعلام، حيث وجد العشرات منهم أنفسهم أمام البطالة وقطع الأرزاق،

بسبب المتاعب المالية التي تعاني منها العشرات من الصحف والفضائيات، فضلا عن الغلق الإداري دون التفكير في مصير الصحفيين والعاملين.

18