ازدياد سريع في الإصدارات الأدبية العربية بالإيطالية

المترجم سيموني سيبيليو يؤكد أن الترجمة الجيدة تصنع كتابا جديدا ومع ذلك، يجب ألا نتجاهل الخطر الكبير الذي يكمن وراء ذلك، حيث أنها قد تتجاوز النص الأصلي جمالا.
الأربعاء 2018/12/12
الكتابة الأدبية ليست مجرد مرآة للواقع

يشهد الأدب العربي اليوم طفرة هامة في ارتفاع الكتب المنشورة وعدد التجارب الأدبية سواء الشعري منها أو السردي وغيرهما. وهذه الطفرة تحتاج إلى تراجم كي تبلغ القارئ العالمي، وهو ما تفطنت إليه الكثير من المؤسسات وحتى الأفراد، حيث نجد بعض المترجمين الغربيين يعتنون اليوم بالأدب العربي. واحد من هؤلاء هو المترجم الإيطالي سيموني سيبيليو، الشغوف بالشعر والأدب العربيين. “العرب” كان لها هذا اللقاء مع سيبيليو في حديث حول الأدب والترجمة.

يعد المترجم والباحث الإيطالي سيموني سيبيليو من أبرز المهتمين بالشعر العربي الحديث، اهتماما جسده من خلال ترجمته للشعر العربي إلى الإيطالية، حيث صدر له أخيرا كتاب مختارات من الشعر العربي الجديد مترجم إلى الإيطالية، بعنوان “في الحرب لا تبحثوا عني: ما بعد الثورات العربية”. هذا الكتاب الذي يصفه سيبيليو بأنه “تجربة معقدة وعميقة، لكنها تجربة مجزية تماما، كأنه تجربة عاطفية مثيرة. أمام الكثير من الألم أو الكثير من الأمل الشعر عندما يكون حقيقيا له الطاقة والقدرة على اختراق روحك وترك أثر عميق”.

بين غريبين

يقول سيموني سيبيليو إن كتابه “في الحرب لا تبحثوا عني: ما بعد الثورات العربية” يقع ضمن مشروع علمي وأيضا نشر يديره فريق من باحثين ومترجمين إيطاليين. يهدف المشروع إلى تقديم نظرة عامة عن الشعر العربي في عصرنا الحالي، وبصفة خاصة في فترة ما بعد الثورات العربية  2011-2018، وهذا يمكن القارئ الإيطالي من التعرف ولو بوسائل أخرى كالثقافة والإبداع على التغيرات والتحديات الجارية في العالم العربي. يطمح مشروعنا إلى تغطية معظم البلدان العربية التي شهدت ثورات وانتفاضات وأزمات، لكنه لا ينحصر في البعد الجغرافي السياسي، بل ينظر إلى التعبير الشعري الذي يشكل، من جهة، شهادة قيمة لهذه المرحلة بالغة الأهمية في تاريخنا المشترك، ومن جهة أخرى، قيمة جمالية، وعلامة على تغير جذري في الرؤية الشعرية العربية المعاصرة أو محاولة التعبير عنها”.

يؤكد سيبيليو أن الترجمة الجيدة تصنع كتابا جديدا. ومع ذلك، يجب ألا نتجاهل الخطر الكبير الذي يكمن وراء ذلك، حيث الترجمة الجيدة قد تتجاوز النص الأصلي جمالا. في أي حال، نحن أمام ترجمة جيدة عندما تكون هناك معرفة، مصدر إلهام، ولكن قبل كل شيء، الاحترام الكبير للعمل المترجَم والمتلقي بنفس القدر. هذا هو السبب في أن المترجم الجيد هو وسيط جيد أيضا، بالمعنى الدقيق للكلمة أي أنه يجب أن يضع نفسه في موقف وسطي “بين غريبين” وهما المؤلف والمتلقي كما يجب اعتماد استراتيجيات ترجمة ناجحة واعيا بأنه لن يتمكن من إعادة نقل الشحنة التعبيرية للنص الأصلي بشكل دقيق ولا سحره اللغوي والإبداعي.

مشروع علمي يقدم نظرة عامة عن الشعر العربي في عصرنا الحالي
مشروع علمي يقدم نظرة عامة عن الشعر العربي في عصرنا الحالي

يعود اهتمام سيبيليو بترجمة الشعرالعربي إلى الإيطالية إلى زمن دراسته الجامعية، حيث قرأ الشعر الفلسطيني، مستطردا “الشاعر محمود درويش على وجه الخصوص، يتحمل ودون أن يعرف ذلك، مسؤولية كبيرة في طريق قراراتي الحياتية والمصيرية. أستطيع أن أقول إنه ساعد في رسم مسار حياتي. منذ بداياتي كدارس وباحث، عملت على ترجمة الشعر العربي الحديث، وأوّل كتاب ترجمته هو ‘أغاني أفريقيا‘ للشاعر السوداني محمد الفيتوري عام 2005، بعد ذلك ساهمت في تحقيق كتاب ‘عالم بلا سماء‘ مختارات الشعر الفلسطيني العام 2007، من ثم ترجمت إلى الإيطالية العديد من الشعراء العرب المعاصرين في مجلات وكتب، من بينهم محمود درويش، غسان زقطان، طلال حيدر، عاشور الطويبي، فاتنة الغرة، منصف الوهايبي، نجوان درويش ومحمد مقصيدي. كان اهتمامي دائما ثقافيا يهدف إلى ترويج وتعزيز التراث الفني العربي الحديث بحكم عملي كباحث ومدرس للأدب العربي”.

ونسأله عن مدى قدرة الشعر على فهم ما يدور في تلك الأرض (فلسطين) فيقول “في رأيي هناك علاقة متبادلة بين الترجمة الأدبية والمعرفة بما يدور في الفضاء الإقليمي والثقافي للكاتب كما في أرضه، وفي الحالة الفلسطينية، كانت الثقافة تتأتى دائماً بالتوازى مع النضال السياسي، كانت الثقافة الإبداعية منسجمة مع ‘القضية‘ لفترة طويلة حتى أصبحت صوت الفلسطينيين. لكني أعتقد أن الكتابة الأدبية ليست مجرد مرآة للواقع، بل إنها أكثر من ذلك بكثير بما أنها تحتوي وتعبر عما لدى مجتمع شاسع ومشتت وشعب أعزل ومظلوم“.

يرى سيبيليو أن إمكانية معرفة تجربة فلسطين من خلال الشعر والأدب ورؤى فنانيها تشكل موقفا ومنظورا متميزين. إنها فرصة وامتياز لا يقدر بثمن. وهذا لأن الإبداع الفني يوفر إمكانية الاستيعاب والاطلاع على بعض جوانب الحضارة والتجربة لشعب ما التي لا يمكن أن يفسرها التاريخ ولا السياسة. إن الثقافة، كما يقول، تقدر أن تنجح حيث فشلت السياسة والشعارات والدبلوماسية. مثلا، يكفي بيت واحد من قصيدة لدرويش، لوحة من لوحات إسماعيل شموط، أو قصة مثل “العائد إلى حيفا” لكنفاني لتغيير رؤيتنا إلى ذلك العالم. ويضيف “إذا كانت الثقافة السياسية في أزمة كبيرة فالثقافة الإبداعية لا تزال حيّة ومؤثرة. ينعكس هذا الاعتقاد في ممارستي المهنية كباحث ومعلّم”.

القارئ الأجنبي

يرفض سيبيليو اتهام البعض اللغة العربية بأنها لغة غير مرنة، مستطردا “اللغة العربية لغة غنية بمفرداتها وأساليبها. حسب تجربتي كمدرس للغة العربية أيضا، أن التعقيد الأكبر في التعليم والتعلم بها يكمن في بُعدها ‘الازدواجي‘. ظاهرة ﺍﻻﺯﺩﻭﺍﺠﻴﺔ ﺍﻟﻠﻐﻭﻴﺔ، وهي ظاهرة مشتركة مع العديد من اللغات الأخرى”.

وبحسب سيبيليو سجّل الأدب العربي الحديث، وخاصة الرواية، نموا مهما في سوق النشر الإيطالي حتى لو لم يصل بعد إلى درجة آداب غربية أخرى أو أجنبية مثل الأدب الياباني التي تحظى باهتمام شاسع وعدد كبير من القراء. ومع ذلك، يعتقد أن الازدياد الملحوظ والسريع في الإصدارات الأدبية العربية المترجمة في إيطاليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة يشكل ظاهرة مبهرة، وخصوصا بعد اندلاع الثورات العربية وآثارها العميقة، على الرغم من تداعيات أزمة سوق الكتاب ومن الأحكام المتجذرة في وعي الكثيرين من عاملي قطاع النشر في إيطاليا نتيجة لأحداث الإرهاب التي اجتاحت البلدان الأوروبية والتي رسخت رؤية الإنسان العربي المسلم ككيان ما يطلق عليه “بالآخر” بامتياز. ويتابع “كما يرجع العدد المتزايد من الأعمال الأدبية العربية المترجمة إلى ظهور الإنترنت الذي سهّل العلاقة بين الكتاب والقراء بقدر ما ساعد المترجمين والمبدعين، خاصة من الأجيال الجديدة، في سبل تحقيق الاستقلال من الهيئات والمؤسسات المسيطرة تقليديا على الصناعة الثقافية وإنتاجها”.

وعن الصعوبات التي تواجهه كمترجم للعربية يقول سيموني سيبيليو “أنا شخصيا، أنظر إلى كل نص شعري ‘كبنية عضوية‘، كما يراه المنظّر الروسي يوري لوتمان، كنظام ذي علاقات تفاعلية مع عناصر أخرى. لا يمكن لممارسة الترجمة الشعرية الجدية إلا أن تأخذ بعين الاعتبار جميع المكونات والعناصر الموجودة في الكتابة الشعرية بهدف تقريب المسافة بين العالمين قدر الإمكان. تتمثل الصعوبة الكبرى التي تواجه المترجم المهني في تطبيق المبادئ التي تستند عليها الترجمة الثقافية بالطريقة الأصح والأكثر احتراما للطرفين. وإنني، بقولي ذلك، أعني أن المترجم لا ينبغي أن ‘يغيب‘، لا يمكن أن يكون غير مرئي إذا أراد أن يفي بلعب هذا الدور المعقد والأساسي للوسيط بين العالمين”.

15