اسألوا الزعرور

شُجيرات الزعرور، هي تلك التي كانت تسوّر لعقود عديدة حديقة الصنائع البيروتية الشهيرة بحبيباتها البرتقالية المائلة إلى الحمرة، قبل أن يتمّ اقتلاعها بالكامل بعد موجة تحديث للحديقة لم تراع طابعها التاريخي.
الجمعة 2018/04/13
رسالة "صمود وإصرار" في معرض فني

عندما تثور ثائرة شعب، لطالما جزأته دولة مؤلفة من مجموعة زعامات طائفية لديها سيرة طويلة في الفساد، على قرار اتخذته تلك الدولة ورغبت في تنفيذه، أغلب الظن أنها، أي الدولة، ستتبع استراتيجية مختلفة قوامها التفكيك التدريجي للموقف الشعبي الرافض حتى يتحقق ما أرادته منذ البداية في نهاية المطاف.

كن، من المؤكد أن هذه الاستراتيجية التي تتطلب وقتا لتنفيذ مراحلها ما كانت لتُتبع لو كان القرار الأول المتّخذ من قبل الطبقة الحاكمة سينتج عنه تحقيق أرباح ضخمة لأفرادها المعروف عنهم تناحرهم، إلاّ حين تدق أجراس المصلحة المشتركة.

اسألوا شُجيرات الزعرور، هي الأدرى بما حدث وسيحدث، هذا إن عثرتم على شذرات منها نجت من التلف، وشُجيرات الزعرور ليست كأي الشُجيرات باعتراف كل بيروتي عتيق وكل من نما في بيروت خلف ظلال عناقيدها الكثيفة التي حجبته عن كل ما هو خارج أحضانها.

شُجيرات الزعرور، هي تلك التي كانت تسوّر لعقود عديدة حديقة الصنائع البيروتية الشهيرة بحبيباتها البرتقالية المائلة إلى الحمرة، قبل أن يتمّ اقتلاعها بالكامل بعد موجة تحديث للحديقة لم تراع طابعها التاريخي، إلاّ بالشيء القليل، وحديقة الصنائع، باختصار شديد، أُنشِئت في عَهد الحُكم العُثماني عام 1907 وتمّ تغيير اسمها إلى “حديقة الرئيس رينيه معوض” الذي أُغتيل على مقربة منها، كما بُدّل اسم “حديقة تلة الخياط” إلى “حديقة المفتي خالد” بعد أن أُغتيل وهو عابر من أمامها بموكبه.

وبعد ذلك جاءت عملية التحديث سنة 2014 على يد مؤسسة “أزاديا”، وهي منظّمة غير حكومية موّلت عملية ما أطلق عليه عنوان “ترميم” بمبلغ قدره 2.5 مليون دولار، وتحوّلت الحديقة، وربما كمرحلة أولى من “استراتيجية التفكيك” التي ذكرناها في الأسطر الأولى، تحوّلت بالنسبة لكل من عرفها حق المعرفة وتنشّق للعشرات من السنين عطور نباتاتها المزروعة والبعلية وأشجارها الباسقة المُتشابكة عن بعد أمتار، تحوّلت بعد تحديثها “وفق معايير عالمية” إلى شبيهاتها في وسط بيروت، أوروبية أكثر منها عثمانية أو عربية.

وجاء قرار “تحيدثها”، أو الأصح، تخفيف وطأتها كحديقة تاريخية بعد أن قامت موجة اعتراض شعبية كبيرة على قرار تحويلها إلى مرآب سيارات بحجة أن بيروت تغص بالسيارات.

وتطلب تحديث الحديقة اجتياح آلات تزفيت الشوارع قلب الحديقة مع اقتطاع مناطق خضراء كبيرة منها لإقامة “شرذمات” مُخصصة لرياضة المشي، ولرياضة ركوب الدراجات الهوائية، ولألعاب الأطفال وللمعارض الثقافية والموسيقية، وكأن الحديقة لا تبلغ مساحتها 22000 متر مربع فقط، بل تبلغ الآلاف من الكيلومترات، وكأنها أيضا لم تكن بشكلها “الحدائقي” السابق أهلا، اليوم، بسكان ما بعد الحداثة.

وفي مرحلة ثانية لعلها جاءت من ضمن استراتيجية “تفكيك” صورة الحديقة الأصيلة بمعانيها، احتضنت الحديقة معارض فنية من قبيل معرض “صمود وإصرار” الذي جمع منحوتات وأعمال فنية معاصرة لأربع وعشرين فنانا من لبنان والدول العربية والأوروبية، وهدف هذا المعرض حسب المنظمين “تشجيع الحوار الثقافي عبر الفن في الأماكن العامة بين كافة شرائح المجتمع وجعل الفن في متناول الجميع”.

لا أحد يدري ماذا كان “بالمُتناول” تحديدا ومن كان الطرف “المُتناول”؟ والمؤكد أن منحوتات مستوحاة من الحروب، أو ما هو ما بعد حداثي أو أوروبي لم يكن في متناول “كافة شرائح المجتمع” المتدفّقة على حديقة لم تكن ترجو منها إلاّ بعضا من الهدوء والصفاء الأخضر بعيدا عن ضجيج الأفكار ودعاة التحديث والتنوير.

باتت الحديقة اليوم مكشوفة على الشارع بالكامل، بدأت تنسحب إليه وينسحب إليها، متى سيبتلع اكتظاظ الشوارع الحديقة؟ لا أحد يعرف، هكذا تذوب الصور وتهترئ المعالم دون أن تلفت النظر إليها حتى تنعدم.

اسألوا شُجيرات الزعرور، تلك التي عشعش عطرها في خلايا معظم رئات البيروتيين، هذا إن كان صمد منها بضع أغصان هزيلة، ستقول لكم حُبيباتها أن إمحاء الذاكرة سبيل إلى إمحاء المكان، تماما كعدم تسمية المجرمين بأسمائهم سبيل إلى استمرار الجريمة.

17