استبداد التكنولوجيا

الثلاثاء 2014/07/01

هل يقع الإنسان في العالم الحديث تحت استبداد التكنولوجيا وحصارها دون أن يدري..؟ هل تراه يندفع بسرعة تتوافق والسرعة التي يوصَف بها العصر..؟ ألا يعرّض المرء نفسه إلى ضغوطات مادّية ومعنويّة كي يظلّ مواكبا للجديد والمستحدث..؟ ألا تشكّل الاكتشافات المتتالية تكبيلا للطاقات في حين تزعم إطلاقها وتحريرها..؟ ألا يجد المرء نفسه واقعا تحت سطوة حشود من اجتياح التكنولوجيا التي تقيه تحت مرأى ومسمع الآخرين في حلّه وترحاله..؟ هل حقّا يكون التطوّر الرقميّ فخّا في حين يظنّ بأنّه تحطيم للحدود والقيود..؟

هل نحن أمام تغيير مفهوم “الغريب” أيضا..؟ ألا تساهم التكنولوجيا في تغريب الإنسان عن واقعه وهي تحاصره مبقية على الحدّ الأدنى من الاندماج فيه، وإفساح المجال للتخيّل كي ينوب منابه..؟

لا يخفى ما يقع فيه أحدنا من محاصرة وهو يستخدم أدواته التكنولوجيّة، وبخاصّة الهواتف الذكيّة التي باتت تشتمل على الكثير من البرامج والتطبيقات، وكلّها تظهر مكان التحرّكات وزمانها، وخطوط السير والتوقّف. أي أنّنا بطريقة أو أخرى واقعون في ربقة هوسنا بالجديد والتواصل والتفاعل في حين أنّنا نزلاء القيود المحكمة، حتّى باتت الرغبة بالوحدة والعزلة سيّدة الرغبات، ونوعا من الأحلام غير المقدور على تنفيذها وتحقيقها.

في كلّ مكان تنتقل منه أو إليه، تصادف أناسا منشغلين عمّا حولهم، ملتهين بقطيعتهم الواقعيّة وإبحارهم في عالم من الافتراض، بحيث أنّ ذاك العالم يكاد يصبح الحقيقة الوحيدة في حين أنّ ما حوله يجيّر في خدمته، ويطوّع في سبيل ترسيخه وتكريسه.

أصوات ونغمات واهتزازات تتناهى إليك بمختلف اللغات والإشارات، تعلمك أنّ مَن بجوارك تلقّى رسالة أو إضافة أو دردشة، وهذا بدوره يجعلك واقعا تحت الأنظار مهما اختبأت خلف إهمال التكنولوجيا أو زعم تجاهل مكتسباتها وامتيازاتها، بحيث أنّ المختلف قد يصبح غريبا عمّا حوله..

ما كان يقال عن أنّ للجدران آذانا بات موضع تعديل واقعيّا، بحيث بات للجدران عيون وألسنة، ترصد كلّ التفاصيل، تلتقط كلّ نأمة، وهي بتلك العدسات المزروعة فيها تساهم في تضييق الخناق على المرء، وفي الوقت نفسه قد تتسبّب في مضاعفة تغريبه أيضا، ما قد يدفعه إلى اللوذ بالجانب البدائيّ الكامن في العودة إلى الذات، دون أيّة مبالغة في تمجيد العالم الرقميّ ولا في تحطيم الصور التي يبثّها ويفرضها ويحيل إليها. ويبدو أنّ كلّ اكتشاف يظلّ حاملا معه مفعول الأدوية، فمعروف أنّ الدواء يشفي مكانا لكنّه قد يؤذي أمكنة أخرى. يبدو أيضا أنّه يستحيل تدارك التأثيرات الجانبيّة للتكنولوجيا، تلك التأثيرات التي تصبح رئيسيّة وتحتلّ الصدارة وترغم على التغيير.


كاتب من سوريا

15