استبداد الجهل

استبداد الجهلاء يكاد يكون خارج تأثير العقل والنقل معا، لأنهم لا يفكرون ولا يقرأون، فإذا قرأوا لا يقرأون إلا ما يزيدهم انغلاقا على ما نشأوا عليه.
السبت 2018/09/08
التدين مصدر جميع أنواع الاستبداد (لوحة: عمر إبراهيم)

جميع أنواع الاستبداد، سواء كان سلطويا أم فكريا، أم كان مصدره التدين، ينتج عنها القمع، والتدين هو مجموعة الطقوس التي يُعبر من خلالها المتدين عن فهمه للدين، وهنا أود أن أعبر عن  امتناني وشكري إلى المفكر العراقي عبدالحسين شعبان، وقد قرأت في أحد متونه المعرفية، الفرق بين الدين والتدين، حتى بت أستطيع القول إن بعض طقوس التدين، مقولات وممارسات، هي التي أساءت إلى جوهر الدين، وليس من المبالغة أو التعميم، القول إن هذه الإساءة شملت جميع الأديان، السماوية وغير السماوية، وهي في أحسن حالاتها، قراءات أو اجتهادات أو خيارات، ترتبط بزمان ومكان وحال، غير أن المتشددين والمتحجرين، لا يحاولون فرضها فحسب، برغم متغيرات الزمان والمكان والحال، وإنما يصفون من يدرك هذه المتغيرات ويحاول نقد طقوس التدين بأقبح الصفات ويتهمونه بأبشع الاتهامات.

ولو استعدنا تاريخ الخلاف بين من يمثل جوهر الدين، ومن يمثل التشبث بطقوس التدين، لواجهنا تاريخا من القهر والقمع والظلم، وإذا كانت ممارسات الاستبداد جميعها مدانة ومرفوضة ومعطلة للتطور الإنساني، ولطالما شكلت قيدا ثقيلا على الحياة، وعلى حرية المجتمعات والأفراد، غير أن أسوأ ممارسات الاستبداد وأكثرها استهانة بالعقل وبإنسانية الإنسان، هي التي يكون الجهل والجهلاء طرفا فيها، ومن هنا فإن الاستبداد اقترن بالتجهيل وانتفع من الجهل، ويتقدم الجهلاء في ممارساته القمعية جميعها، وسواء في التدين أم في السياسة، يتوارى المتسلطون وراء شعارات تلقن للجهلاء وتمنح صفة القداسة، الوطنية أو الإيمانية، وسواء صدقها الجهلاء أم لم يصدقوها، تصبح مسوغا وغطاء، ليس لقهر من يخالفهم فقط، بل يشمل القهر كل من يحاول وضعها موضع المنظور العقلي، رفضا أو تعديلا.

ومن المعروف أن الكثير من رموز القيادات الدينية، والسياسية والثقافية، يرتهنون لاستبداد الجهل، وبتعبير أكثر وضوحا، للجهلاء المتعصبين، المستلبين للشعارات والمقولات والطقوس، غير أن منهم من واجههم متمسكا بما يملي عليه وعيه، فيجر على نفسه الوبال، وقد يضطر إلى العزلة، ومنهم من يجامل ويسكت عن الانحرافات الفكرية والسلوكية، ليظل في الواجهة، مستفيدا من موقفه هذا، ماديا ومعنويا.

لو استعدنا تاريخ الخلاف بين من يمثل جوهر الدين، ومن يمثل التشبث بطقوس التدين، لواجهنا تاريخا من القهر والقمع والظلم

حدثني الكاتب الصديق سلام الشماع قائلا “كنت أرافق اثنين، أعدهما أيامذاك، من أساتذتي، وأتعلم منهما، برغم الفرق بينهما في مصادر المعرفة وفي السلوك الاجتماعي أيضا، وكنا نزور المجالس التي تغلب على معظم من يرتادها صفة المحافظة والاعتكاف في ما نشأوا عليه،

كان أحد الشخصين اللذين أشرت إليهما، يسمع ما يقال في تلك المجالس، وربما لا يسمع، ويتظاهر بأنه سمع ما كان يقال، فيهز رأسه، موحيا بأنه يؤيد تلك المقولات، أما الثاني فكان يناقش ما يقال، فيرفضه حينا ويصححه حينا آخر، ويظهر الضعف والتهافت فيه، بمنطق موضوعي رصين.

وكنت ألاحظ، إن الأول وهو يجاريهم في كل ما يقولون، يستقبل ويودع باحترام مبالغ فيه، بينما يعامل الثاني، وكان صادقا في ملاحظاته واعتراضاته، بجفاء واضح، وكأنهم يتمنون أن لا يحضر في مجالسهم، ويعدون ما كان يقوله في تلك المجالس، مجرد لغو لا فائدة منه، وتجديف بمقدساتهم وإساءة إلى ثوابتهم”.

لقد سبق لي أن تناولت في ما أكتبه، في هذا العمود الثقافي، ثنائية العقل والنقل، غير أن استبداد الجهلاء يكاد يكون خارج تأثير العقل والنقل معا، لأنهم لا يفكرون ولا يقرأون، فإذا قرأوا لا يقرأون إلا ما يزيدهم انغلاقا على ما نشأوا عليه، وهم لا يكتفون برفض أي نقد لمقولاتهم أو مناقشتها فحسب، بل أيضا يعدون كل رأي أو موقف لا يستسلم لها، خيانة أو كفرا، ويواجه بأشد أنواع العقاب والإدانة، وهذا الاستبداد يتجاوز في العنف، أقسى أنواع الاستبداد السلطوي.

13