استبدال المعلم بالتكنولوجيا إهمال لدور الاتصال المباشر ولمستوى التلميذ

الثلاثاء 2014/10/07
الروكتشيب أشهر نماذج التعليم الجديد تلغي دور التفاعل بين المعلم والتلميذ

واشنطن- موجة جديدة من طرق التعليم بدأت تنتشر مؤخرا في الولايات المتحدة الأميركية، تقوم على مشروع موجه للمدن الفقيرة ينقسم إلى محورين يتمثل الأول في تعويض المدارس الحكومية بمدارس خاصة ومستقلة والثاني في استبدال المعلمين بالتكنولوجيا حيث يصبح المدرس عبارة عن “لعبة فيديو”، وهو ما تم إنجازه هذا الخريف بمدينة نيو أورلينز حيث أصبحت مدرسة “ريكافيري سكول ديستريكت” أول مدرسة في البلاد تنهي هذه العملية التي بدأت بعد إعصار كاترينا.

عندما رفضت إدارة بوش أن تدفع المبالغ الضرورية لإعادة فتح المدارس الحكومية التي تضررت بسبب إعصار كاترينا مُفضّلة تقديم مبلغ 45 مليون دولار للمدارس المستقلة، بات هناك توجه عام نحو اعتماد المدارس المستقلة وإلغاء المدارس الحكومية، ولئن كانت هذه المدارس ممولة من الحكومة، إلّا أنّ المجتمع المحلي لا يملك أيّ سيطرة على مناهج تدريسها أو جودتها، بحكم عدم إشراف أي مجلس إدارة مدرسة -منتخب ديمقراطيا- عليها.

وتدعم هذا المشروع الشركات التي تسعى إلى الاستثمار في مجال التعليم وكل من غرفة التجارة الأميركية والمجلس التشريعي للتبادل و”أميريكانز فور بروسبيريتي”، بالإضافة إلى مختلف حلفائهم التشريعيين، وإذا ما حقق مُمَثّلو الشركات أهدافهم، فسيتمّ استنساخ نموذج مدرسة نيو أورلينز في مدارس أخرى عبر البلاد، مع مناداة رئيس مجلس إدارة نيتفليكس والداعم للمدارس المستقلة، ريد هاستينجز، “بالتخلص من مجالس المدارس”.

ما سبق وحققه الإعصار في نيو أورلينز، تقوم اليوم التشريعات بتكريسه في مجالات أخرى من خلال استخدام اختبارات ذات معايير موحّدة لإعلان “فشل” العشرات من المدارس الفقيرة ووضعها تحت سيطرة سلطة خاصة غير منتخبة، تحل محل المدارس الحكومية لتصبح المدارس مستقلة. وفي عام 2011، أنشأت كلّ من مدينتي متشيغان وتينيسي مجالس إدارية خاصّة لتعويض المدارس ذات المردود الضعيف، وقد هدفت السلطات بهذا الإجراء إلى تعويض المدارس الحكومية بمدارس مستقلة. وهذا العام درس المُشرعون بويسكونسن مشروع قانون استبق الأحداث وطالب ببساطة أن يتمّ تعويض المدارس العامة/الحكومية ذات المردود الضعيف بمدارس مستقلة يُموّلها القطاع الخاص.

السلطات مطالبة بألا تخضع إلى إغراء تحسين المدارس من خلال عملية مباشرة بل عليها أن تقر بأن سوق مشغلي المدارس ستنجح دائما في تحقيق أداء أفضل

ومؤخرا، أصرّ داعمو هذه الإصلاحات التي تساندها الشركات على أن تُعفى أي سلطة عامة من مسؤولية إدارة المدارس، وقد حذّر نيراف كينسلاند، المدير التّنفيذيّ السّابق لـ”المدارس الجديدة بنيو أورلينز”، من أن السلطات مطالبة “بألا تخضع إلى إغراء تحسين المدارس من خلال عملية مباشرة بل عليها أن تقر بأن سوق مشغلي المدارس ستنجح دائما في تحقيق أداء أفضل من أي نظام تشغيل مباشر”، كما يقترح هاستينغز أن يقتصر دور المجالس المنتخبة بالمدارس على “زيادة شبكات المدارس المستقلة للمدينة، على غرار الدور الذي تلعبه الغرفة التجارية في تطوير الأعمال التجارية”.

ولا يستند هذا المشروع إلى نتائج موثوقة، فقد أثبتت الدراسات أن استبدال المدارس الحكومية بمدارس مستقلة وخاصة لن يسمح، في حد ذاته، بتحسين التعليم، لكن هذه الحقيقة المؤكدة لم تخفف من قوة الدعم الذي يحظى به المشروع من قبل اللوبيات الاستثمارية الساعية لرفع عدد هذا النوع من المدارس المستقلة التي تركز على التكنولوجيا بدلا من المدرسين. ويُعد نموذج “تعليم الروكتشيب” (بسيليكون فالي) أحد أبرز الأمثلة في هذا المجال، ويرتكز على أربعة مبادئ؛ أولا، خفض التكاليف بإلغاء دور المعلمين ابتداء من رياض الأطفال، حيث يقضي التلاميذ حوالي ربع وقت الدراسة في مختبرات كمبيوتر دون مدرّس باستخدام ألعاب الفيديو التي تشمل تطبيقات الرياضيات والقراءة، ثانيا تعتمد روكتشيب على هيئة من المدرسين الشباب قليلي الخبرة ومنخفضي التكلفة.

أما ثالثا، فتقتصر المدرسة منهاجها حصريا على الرياضيات والقراءة، وبحكم استناد استراتيجية تسويق روكتشيب ورواتب مُدرسيها على علامات القراءة والرياضيات فقد تمّ اعتبار العديد من المواضيع الأخرى غير ضرورية. وأخيرا، تركّز روكتشيب باستمرار على التدريس بهدف الاختبار، إذ يتمّ امتحان الطلاب في مادة الرياضيات كل ثمانية أسابيع، يعقبها تعديل الموظفين لخطط الدروس مع التركيز على تحسين النتائج. وتتباهى روكتشيب ببيداغوجيتها “ذات الخطة العكسية” –فهي تبدأ باختبار يرتكز على المعايير المطلوبة، ثمّ يتمّ وضع خطط الدروس بهدف بلوغ تلك المعايير، لذلك يعتبر روكتشيب أقرب ما يكون إلى دورة اختبارية متواصلة.

أثبتت الدراسات أن استبدال المدارس الحكومية بمدارس مستقلة وخاصة لن يسمح، في حد ذاته، بتحسين التعليم

وتشير الأبحاث إلى أن أي نماذج مدرسية تبقى أكثر فائدة من التعليم عبر الإنترنت، إذن لماذا يحظى هذا المشروع بتشجيع من أقوى اللوبيات في البلاد؟ لما فيه من ربح مادي -كما يشرح هاستينجز- إذ تكمن الاستفادة المالية الكبيرة من التعليم الرقمي في “إمكانية أن تنتج مرة واحدة وتستهلك عدة مرات”، وتتمتّع المدارس مثل روكتشيب بنفس التمويل -لتطبيقاتها الخالية من المُدرسين- الذي تتلقاه المدارس التقليدية التي تعتمد على مدرسين ذوي مؤهلات وحاصلين على شهادات جامعية.

التعليم عبر الإنترنت أسرع قطاعات الشركات المستقلة نموا رغم أن معظم الدراسات تظهر أن هذه المدارس تؤول إلى أسوأ النتائج التعليمية، غير أن سوق المدارس الافتراضية تبقى محدودة، لا سيما في المدن الفقيرة التي لا تشمل على عدد كاف من الآباء القادرين على التفرغ لاستكمال الوحدات التي يوفرها البرنامج، وبالتالي يواجه المستثمرون مفارقة كبرى تتمثل في أن أكبر فرصة نمو للمدرسة المستقلة تكمن في المدن الفقيرة، ولكن هذه الأماكن بالذات لا توفّر الظروف الملائمة لازدهار الدراسة عبر الإنترنت.

ويبدأ تدمير التعليم العام في المدن الفقيرة لأنها المناطق التي يعجز فيها الآباء على مقاومة تدهور مناهج التعليم، ولكن ما إن تجتاح المدارس المستقلة نظم التعليم بالمدينة، ستسارع في الانتقال إلى الضواحي كما ستسعى مشروعات التعليم المستقل المربحة إلى النمو إلى أن تختفي المدارس العامة المنافسة لها نهائيا، وهو ما يشرحه المؤسس المشارك لروكتشيب، جون دانر قائلا: “لا حاجة لقلق النقاد بشأن تجاهل المدارس المستقلة لأفضل الطلاب، لأننا في نهاية المطاف، سنعلّم جميع الطلبة”.

17