استتروا

أدب الاعتراف ليس ذكريات مجتزأة ومنتقاة، كما لا يمكن أن يكون تزييناً وتلميعاً لصورة الكاتب أو المحيطين به، بل هو تعرٍّ كامل أمام القارئ بدون أي رتوش.
الأحد 2019/02/17
الكتابة محاولة تغيير السائد ومجابهة السلطات المختلفة

ندرة الكتابات العربية التي تندرج ضمن ما يسمى أدب الاعتراف تعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة الثقافة العربية والإسلامية، وجوهرها الذي يتجلّى في مقولة: وإذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا. التستر على المعاصي في العرف العربي الإسلامي أفضل من فضحها.

في الغرب الأمر معاكس، يتأتى ذلك من سيادة ثقافة الاعتراف لديهم والآتية من الديانة المسيحية. لذلك نلاحظ كثرة كتابات أدب الاعتراف لديهم. بمعنى الاستتار بمقابل الاعتراف. تلك الثقافة تؤثر على المنظومة الاجتماعية بالعموم والتي تسيطر على المجتمعات كأعراف وتقاليد وأخلاقيات شعوب، في بعض الأحيان أكثر من سيطرة الأديان، لأنها متجذرة في عمق التربية واللاوعي الجمعي للأفراد، لذلك فمن الصعب بمكان التخلّص منها حتى لو تخلّص الأفراد عن وعي من السيطرة المباشرة للدين والمنظومة الاجتماعية السائدة.

فأدب الاعتراف ليس ذكريات مجتزأة ومنتقاة، كما لا يمكن أن يكون تزييناً وتلميعاً لصورة الكاتب أو المحيطين به، بل هو تعرٍّ كامل أمام القارئ بدون أي رتوش، الأمر الذي يبدو شديد الصعوبة في مجتمعاتنا العربية التي تعاقب قائل الحقيقة بالنبذ، على أقل تقدير، وقد تصل العقوبة للقتل أحياناً!

كتب في الأدب العربي سير ذاتية أكثر بكثير مما كتب أدب اعتراف، فهما أمران مختلفان، يمكننا أن نعتبر ما كتبه محمد شكري ولويس عوض أدب اعتراف بما حواه من مكاشفة شجاعة، أما السيرة الذاتية فهي تعتبر تسجيلية أكثر، انتقائية، وأكثر بعداً عن التعرّي والبوح، الأمر الذي كتبه الكثير من الأديبات والأدباء العرب كطه حسين ونوال السعداوي ورضوى عاشور وإبراهيم أصلان وكوليت خوري وليلى العثمان وغيرهم… ولكن ينبغي ألا ننسى أن هناك الكثير من الاعترافات تتلطّى تحت ظلال شخصيات الرواية دون إفصاح الكاتب أو الكاتبة عن أنها من حياتهم الخاصة. ولكننا لا نستطيع أن نصنّفها بكل الأحوال باعتبارها أدب اعتراف.

الكاتبة والكاتب العربيان يعانيان بالعموم من رقابات سياسية ودينية واجتماعية وحتى ثقافية متشابهة، وخصوصاً حين يتطرق أحدهما للحديث عن التابوهات الثلاثة المعروفة الدين والجنس والسياسة. أما الكاتبة العربية فتتفرد بمعاناة مضاعفة عن زميلها الرجل باعتبارها امرأة في مجتمع ذكوري مسيطر، يعتبرها ملكاً للرجل، وموضوعاً للكتابة أكثر منها ذات إبداعية، ويحاصرها بقيود اجتماعية ثقافية تكبّل حريتها بشكل متطرف. فكثير من الكاتبات العربيات عانين من إسقاط ما حدث مع شخصياتهن الروائية على حيواتهن الشخصية، وحوكمت الكثيرات منهن بناء على تأويل نصوصهن وتفسيرها، فما بالك لو كتبن أدب اعتراف!

ولكن وعلى الرغم من كل ما قلته فالكتابة هي صنو للشجاعة ولمحاولة تغيير السائد ومجابهة السلطات المختلفة.

، الكتابة التي تحابي السلطات وتخاف الفضح كتابة محكومة بالفشل. لذلك فمهمة الكاتبات العربيات بالدرجة الأولى، والكتاب العرب أيضاً، أن يكسرن هذا الطوق المفروض على أدب الاعتراف ويبدأن بكتابته،وما يبدو في البداية مستهجناً وغريباً يصبح مع الزمن عادياً، هذا هو ديدن التطور في العالم، ولدى شعوبنا على نحو خاص.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

10