استثمار بين الأرض والسماء

الأربعاء 2014/08/27

بات يمكن لأي فرد يبحث عن مورد رزق وحياة كريمة في دول الخريف العربي أن يؤسس شركة رأسمالها لحية وجلباب وهتافات تكبير بمناسبة وبغير مناسبة، فموضة هذه الأيام هي الاستثمار في كل ما له علاقة بالدين والغيب والسماء.

في البدء، حسبت كأغلب الناس أن الأمر يتعلقّ بمتدينين أتقياء طاهرين أنقياء طيبين نبلاء صادقين أصفياء لا يريدون من الدنيا غير الستر وحسن الختام، أرواحهم معلقة على باب الله، عيونهم لا تنام من كثرة القيام، دموعهم لا تجف من خشية الله، وأن هؤلاء القوم، عارضوا الأنظمة السابقة دفاعا عن الفقراء والمحتاجين والجياع والمحرومين والمعطلين عن العمل والمهمشين، وأنهم لا يهدفون إلى حكم ولا سلطات، ولا إلى نفوذ ولا ثروات، وإنما هم يبحثون عن فرصة لخدمة الصالح العام ليس أكثر، وعن مجال للتبشير بمكارم الإسلام.

ثم وما هي إلا أسابيع وأشهر، حتى سقط القناع، وانكشفت حقيقة الصراع، فالقضية ليست خدمة الدين وإنما استخدامه، وتحويله إلى استثمار في حقل السياسة، وخوض غمارات التنافس على الحكم والرئاسة اعتمادا على أدوات الأرض والسماء، وشعارات الدنيا والآخرة. بل ورأينا في هؤلاء المتأسلمين حبّا استثنائيا للسلطة والنفوذ، وعشقا غير محدود للمال والجاه، وميلا لمتع الحياة وملذاتها، واستعدادا للتعامل مع الشياطين الزرق والحمر للوصول إلى أهدافهم، بل وإلى تزوير الخطاب الديني ذاته، والتحايل على النص بما يجعل منه منصّة للانطلاق نحو احتلال عقول السذّج والبسطاء والبائسين اليائسين الأشقياء ممن كانوا قديما يتعلقون بالسحرة والمنجمين، ثم بعباءات الأولياء الصالحين والدراويش الجائلين وصولا إلى لافتات المستثمرين في الدين من قيادات الإخوان المتأسلمين وحلفائهم السلفيين المتسيسين والدعاة البارعين في اللعب بمشاعر المساكين.

وقد شاهدت وسمعت وقرأت الكثير عن مجالات الاستثمار في الأرض والعقار والصناعة والتجارة ومقاولات التجهيز والإنارة وفي الغذاء والدواء وفي الترصيف والبناء، وفي تصنيع السيارات والطائرات، وفي المشروبات البريئة والخبيثة، وفي أودية السيلوكون، وفي السياحة والترفيه، وفي الإعلام والإعلان، وفي النقل والمواصلات، وفي الثقافة والفنون، وفي الخدمات جميعا.

ولكنني لم أر مجالا استثماريا مربحا كالاستثمار في الدين، فهو يجزل لك المكاسب المالية، ويهبك السلطة المعنوية والأدبية والروحية ويعطيك الوجاهة الاجتماعية، ويمنحك الفرص السياسية، ويفتح لك باب الملذات الدنيوية، فإن ضاق بك بلد، اتسع لك آخر، وإن خاصمك حاكم وجدت ملجأ عند نظير له، وإن أخطأت حولوا خطأك إلى صواب، وأن خنت شكوا في معنى الخيانة من أصله، وبرروا لك مواقفك بما يجدونه في مآثر الأقدمين، وإن كذبت صدقوك ووصفوك بالصادق الأمين، وإن أفتيت بما ينكر الدين، بحثوا لك عن سند في كل المذاهب ولدى كل الأيمة السابقين، فإن لم يجدوه قالوا إن الضرورات تبيح المحظورات وأنك أدرى بصالح المسلمين والمسلمات.

أما أنت، فأنت من يعرف ما أنت عليه، تعرف أن استثماراتك جارية وفتاواك سارية وحساباتك مضمونة ومقاماتك مصونة، وتعرف أنك تلعب بما تشاء وكما تشاء، في ساحة عرضها الأرض والسماء.

24