استثمار ربات البيوت في المنصات الإلكترونية محل جدل داخل الأسر العربية

مواقع التواصل وسيلة للحوار بين أفراد الأسرة للتسلية وتحقيق الربح والاسترخاء.
الاثنين 2020/09/21
لحاق بركب مواقع التواصل الاجتماعي

طرأت تغيرات عدة على كثير من الأسر العربية بعد توغل منصات إلكترونية عديدة في الحياة اليومية، ويظل التغير الأبرز الطفرة التي أحدثتها الأمهات في الأسر عند لحاقهن بركب مواقع التواصل الاجتماعي لتفتح أمامهن آفاقا لم تكن موجودة من قبل، وتبني جسورا من جديد مع الأبناء، وتعزز ثقتهن في أنفسهن ككائنات مسموعات الصوت، ما ينعكس على كيان الأسرة، رغم أن الأمر لا يخلو من تحديات.

خلق ولوج المنصات إلكترونية جسرا جديدا للتلاقي بين الآباء والأبناء داخل الأسر العربية، حيث أنها لم تعد مقتصرة على فئة الشباب، واستطاع جيل الآباء خلق محتوى يجمعهم حول قضايا واحدة، وتوفير مساحة للاطلاع على تجارب مختلفة، وعدم الانسلاخ عن الواقع الذي يعيش فيه الأبناء.

عانت المصرية سعاد موسى (53 عاما) من الشعور بالوحدة والعدمية مع تخرج أبنائها وعملهم، ما يجعهلم غير متواجدين غالبية الوقت في المنزل، وشعرت الأم، وهي ربة منزل، بفجوة عميقة مع أبنائها بعدما باتت معظم أحاديثهم تدور حول مواقع التواصل والترندات التي لم تكن تفهم معناها، حتى أهدتها نجلتها هاتفا جوالا، وألحقتها بعالم التكنولوجيا المتطورة.

تقول سعاد لـ”العرب”، “بعدما أنشأت لي نجلتي حسابا على مواقع التواصل الاجتماعي قبل 3 أعوام، بدأت العلاقة بيننا تُبنى من جديد، أضفت صديقاتها، وبت أطمئن عليهن من وقت لآخر، وأصبحت لدينا موضوعات مشتركة، والأهم أنني لم أعد متخلفة عن ذلك العالم الكبير”.

اتجهت الأم إلى فيسبوك، ثم يوتيوب المفضل لها، وأعجبت ببرامج عديدة تقدمها ربات بيوت مثلها، حول كافة المواضيع التي تهم ربة المنزل، بداية من الطبخ، مرورا بتربية الأبناء، وصولا إلى المشاكل الزوجية والطريقة المثلى للتعامل مع الأقارب، وحتى طريقة توفير الأموال وتدبير أمر المنزل بأقل تكاليف ممكنة.

اللافت في تلك البرامج تقديمها في صورة أسرية بحتة، دون بهرجة الديكورات أو استعدادات التصوير والمونتاج، ما كان سببا رئيسيا في كسبها قاعدة كبيرة من جمهور مشابه وجد ضالته في ما تقدمه تلك البرامج، دون أن تدفعهم إلى الشعور بالاغتراب.

تنامت ظاهرة “الدويتو” بين أم وابنتها المراهقة أو طفلتها، أو العكس، وبدأت سلسلة من القنوات الخاصة على يوتيوب تبث إرسالها يوميا، تركز على الحياة اليومية.

المشاكل التي تتعرض لها الأمهات أو أحد أفراد الأسرة تحولت إلى مادة للحكي والاستفتاء وتلقي الآراء حولها

وأقبلت سيدات على هذه المسألة عندما زادت أرقام المتابعين، وتحولت إلى استثمار مادي، جعلهن يكشفن عن خصوصيات دقيقة في كيان الأسرة.

وتعكس تلك البرامج التنوع الثقافي للأسر، وتتدرج فيها درجة المحافظة والراديكالية، حتى أن بعض مقدماتها يؤمنّ أن ظهور المرأة أمام الكاميرا أمر غير لائق، فيستعضن عن ذلك بتثبيت الكاميرا على مشهد ما ثم الحديث دون أن يظهرن بوجوههن.

وأصبحت تلك النوعية من البرامج، صاحبة متابعات كبيرة، ومادة يمكن أن تنصح بها الأم نجلتها لمشاهدتها، أو تنقل إليها وصفة وردت فيها، وتعكس قدرا من ذكاء القائمات عليها ممن أقبلن على دمج أسرهن في المقاطع التي يقدمنها، لتوسيع رقعة جماهيرهن، بحيث تشمل الأسرة ككل وليس ربة المنزل فقط.

وانتقلت الظاهرة الأسرية، من فيسبوك ويضم آلاف الغروبات المتنوعة والمتخصصة في مواضيع تهم الأسرة، ويوتيوب كمادة للربح، إلى تيك توك، الذي يشهد تحولا لافتا من كونه أحد المواقع المرتبطة بالمراهقين، إلى موقع له طابع أسري جذاب، بمشاركة كافة أفراد الأسرة في إنتاج مقاطعه المصورة على سبيل الترفيه.

تزامن ذلك التحول الخاص بتيك توك، مع فترة الغلق لمواجهة فايروس كورونا، انقطع فيها أفراد الأسرة عن أعمالهم وجلسوا سويا وهربوا معا من رتابة تلك الفترة إلى ذلك الموقع الترفيهي.

وأسهم فنانون ورياضيون في ذلك النهج، ممن ظهروا مع عائلاتهم في مقاطع عبر ذلك الموقع، حكتها الآلاف من الأسر، وتحول الأمر إلى لغة مشتركة يتلاقى خلالها الجميع، وتبقي الأسر الأقل دخلا على اطلاع واتصال بالرائج ما يقلص مشاعر التهميش.

على خلاف الاعتيادي، من انقياد الأسر الأقل دخلا وثقافة إلى الأخرى، استطاعت أسر بسيطة صناعة محتوى لافت، يصبح هو المادة المحاكاة، فتنقلت من خانة متلقي المحتوى إلى صانعيه.

فضاء للتعبير
فضاء للتعبير

ورغم المزايا العديدة التي خلقها اندماج الأسرة عبر مواقع التواصل، لم يخل الموقف من تحديات، تجعل الأسر التي تتعرض كل يوم لتجارب جديدة، تقرأ أو تسمع عن قصص آخرين في مهب الإطاحة بقيمها والتأثر بآراء الآخرين والانبهار بحياتهم، ما يرفع التطلعات دائما عند تلك الأسر، وقد يرفع سخطها بدلا من الرضا.

توارثت الفتيات عن أمهاتهن عند إقبالهن على الزواج وتكوين أسرة، مفهوم “الأربع حيطان” وهي كلمة مجازية تعني الحفاظ على أسرار الأسرة ودواخلها بين جدران المنزل دون إطلاع الآخرين عليها.

هدم اندماج الأمهات مفهوم الخصوصية القديم، وانتقلت المشاكل التي تتعرض لها الأمهات أو أحد أفراد الأسرة إلى مادة للحكي، والاستفتاء وتلقي الآراء حولها.

وأفاد التحول في تحرير ربات المنازل من الشعور بالتهميش وجعل صوتهن مسموعا، وهو ما يعد تحديا في الوقت ذاته، وصار البت في أمور الأسرة أمرا ليس في زمامها. غير أن عرض تلك الأنواع من المشاكل يمنح خبرة للآخرين.

تقول الفتاة إيمان عبده (28 عاما) وهي مقبلة على الزواج، إنها تقبل على تدشين أسرة تختلف كلية عن تلك التي كونتها أمها بخبرات محدودة، ونصائح معلبة.

وتضيف لـ”العرب”، وهي نشطة عبر غروبات فيسبوك وتهوى قراءة المشاكل وإبداء الرأي في حلها، “أصبحت مثقلة بالكثير من الخبرات الحياتية، وعلى دراية بالتحديات التي يمكن أن تواجهني عند تأسيس أسرتي، بناء على تجارب الآخرين، فكل تجربة مختلفة لكن ما تضيفه تلك المواقع ثروة حقيقة، رغم أنها تتسبب كثيرا في إحساسي بالاكتئاب لمأساوية كثير من القصص”.

ولا تختلف الأسر العربية في تأثرها بمواقع التواصل الاجتماعي، لذلك أصبح تقصي آثار تلك التغيرات والخروج من بوتقة الحكم الأول حول تفكك الأسرة، شاغلا علميا.

في دراسة للباحثة أحلام بوهلال في العام 2016، حول تأثير استخدام شبكة الإنترنت على العلاقات الأسرية الجزائرية، قالت الباحثة “هناك من يعتبر مواقع التواصل مصدرا من مصادر الموضوعات التي تعمل على تنشيط الحوار بين أفراد الأسرة، وهناك من يستخدمها قصد التسلية والترفيه وتحقيق الاسترخاء، أو لتقريب المسافات بين أفراد الأسرة المتباعدين، وآخرون للهروب من الواقع مما يؤدي إلى العزلة”.

وخلصت الدراسة إلى أن 37 في المئة اعتبروا أن التعرف على الثقافات الأخرى من أكثر الإشباعات الاجتماعية التي تحققها مواقع التواصل، و55 في المئة قالوا إنه لم يقل تفاعلهم مع أفراد أسرتهم بعد استخدامهم للإنترنت، و40 في المئة لا يعتبرون الإنترنت كافية لربط علاقات جديدة بديلة عن العلاقات الأسرية، و60 في المئة رأوا أنها ساهمت في توسيع الفجوة بين الأبناء والآباء، و70 في المئة لم يلجأ إليهم آباؤهم للاستفسار عن شيء في الإنترنت.

ومن المؤكد أن إجراء دراسة من هذا النوع على أسر عربية حاليا، سوف يعزز هذه النتائج، وربما يزيد نسبتها، لأن مواقع التواصل انتشرت وتحولت إلى جزء رئيسي في كيان الكثير من الأسر العربية.

21