استحباس

الجمعة 2014/01/24

يؤشر الاشتقاق في لغتنا على وزن استفعال إلى طلب الفعل. وهكذا، إذا كان الاستسقاء هو طلب السقيا، فالاستسجان هو طلب السجن، والاستحباس هو طلب الحبس. وقد قادني إلى هذا القول الكاتب والمترجم (والطبيب) راتب شعبو، فيما كتب من سيرته كسجين سياسي سوري لمدة ستة عشر عاماً وثلاثة أيام، وذلك تحت عنوان (الاستحباس).

يعرف الصديق راتب شعبو الاستحباس بالاستسلام العميق للسجن، وبتقبل السجن كخلفية ثابتة للوحة حياتك، كمعطى ثابت أو كعاهة تعتاد عليها وتتعايش معها، وتنساها.

ولكن ماذا لو مضى المرء بالاستحباس أو بالاستسجان، من الحبس أو السجن إليهما في الوطن؟

يمكر السؤال وهو يعمّق ما ذهب إليه راتب شعبو، ويشظّيه، حتى ليصير السجن وطناً للسجين، مقابل صيرورة الوطن سجناً لبشره. وفي هذه الصيرورة تحل السلطة الديكتاتورية محل فرخها العوام الصغير: سلطة السجن، وإذا بالاستحباس هو الاستسلام العميق للديكتاتورية، وهو أن تتقبل أيها المواطن السعيد سجنك الكبير كقضاء وقدر، كخلفية ثابتة للوحة حياتك، وكمعطى ثابت أو كعاهة تعتاد عليها وتتعايش معها، وتنساها.

في الاستحباس، وباختصار، لست مواطناً، بل أنت تتحول من مواطن إلى حيوان. وقد تطول المرحلة الانتقالية اللازمة لإنجاز تحوينك أو تحولك، وقد تقصر، فليس من زمن محدد إلا ما تشاؤه الديكتاتورية، وما تشاؤه طواعيتك ومطواعيتك. في حديثه عن الاستحباس، يضيف راتب شعبو تعريفاً آخر، أو تحديداً آخر، أو علامات فارقة أخرى، إذا يقول إن الاستحباس يعني أنك اجتزت البرزخ، وقطعت المسافة بين عالمين، ووجدت عناصر استقرارك في العالم الجديد.

والمرحلة الانتقالية إذن هي البرزخ. والبرزخ هو تلك المسافة ما بين عالم الإنسان وعالم الحيوان، عالم الوطن وعالم السجن، صَغُر أم كبر. ولعبور هذا البرزخ كلفته الفريدة، إذ أن تحوين المواطن سيواجه مقاومة ما، واعية أو لا واعية، عاتية أو هينة، مديدة أو عابرة. وللتحوين أو التحول أو التحويل أو العبور إذن آلامه التي قد لا تتوقف إلا بالموت، لكنها قد تتوقف أيضاً عندما يبلغ الإنجاز الديكتاتوري غايته وأقصاه، فيتروض السجين ـ المواطن، ويتكيف مع الأحكام العرفية أو حالة الطوارئ، أو الاعتقال الكيفي، أو المسيرات الجماهيرية القطيعية، أو تأليه الديكتاتور، أو قوانين السلبطة والشفط والنهب والرشوة وما شاكل… والترويض هنا، والتكيف، مثله تماماً في السجن السياسي بخاصة، وفي السجن بعامة.

رحم الله ميشيل فوكو.

فالسجين المواطن الذي لا يتكيف ولا يتروض، سيقوده الاستحباس إلى الانتحار، أو الانطواء والاعتزال، أو الجنون. أما إذا حظي بنعمة التكيف والترويض، فسوف يحظى بالأمن والأمان في وطن الاستحباس. وهنا ينادي الاشتقاق اللغوي كلمة (الاستقرار)، ليس من أجل أن ترادف كلمة (الاستحباس) وتزدهي اللغة، بل من أجل أن يعمق الاستقرارُ الاستحباسَ ويدعّمه ويديمه. وهكذا يعمل السجين لسجنه الصغير كأنه باق فيه أبداً، ويعمل المواطن المستحبس ـ المتحوين ـ لسجنه الكبير كأنه باق فيه أبداً. وبما أن الزمن يغدو خارج الزمن، فسوف ترى السجين المواطن وهو يتشكل من جديد، يشكل كل شيء من جديد، كأن ينشد /يهتف/ يغني هذا الذي نشأنا عليه منذ أكثر من نصف قرن: (وطني حبيبي الوطن الأكبر ـ يوم ورا يوم أمجاده بتكبر)، فيقول، وعمر القارئين والسامعين يطول: (حبسي حبيبي الحبس الأكبر ـ يوم ورا يوم عاهاته بتكبر). والأمر كذلك يتبدل القول (وطني يا أحلى وطن في الدنيا) فيصير: (حبسي يا أحلى حبس في الدنيا ـ حبسي يا قلعة للحرية). وهنا نبلغ حسن الختام مع راتب شعبو إذ يكتب: “بعد أن يستحبس السجين، ويعتاد السجن، وتصبح الحرية ذكرى بعيدة وأملاً بارداً، وينضوي السجين مستسلماً لسجنه، ويهدأ ترقبه الحارق للإفراج، يبدأ بوضع خطط سنوية لحياته السجنية جديدة، ويوضب ملابسه الدافئة تحسباً للشتاء التالي”.


* كاتب وناقد من سوريا


14