استحضار علاقة النهضة بالإرهاب يُثير ضجيجا داخل البرلمان التونسي

أعاد تكريم حركة النهضة لأحد أعضائها الذين تمت إدانتهم بالإرهاب سنة 1987 الحديث عن علاقة النهضة بالإرهاب في مشهد ذكر التونسيين بذلك الجدال الذي ساد عقب اغتيال المناضلين البارزين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
السبت 2016/05/28
النهضة تفشل في إبعاد تهمة الإرهاب عنها

تونس - أثار استحضار علاقة حركة النهضة الإسلامية بالإرهاب مباشرة بعد مؤتمرها العاشر الذي سعت فيه إلى تقديم صورة جديدة مغايرة تماما عن الصورة النمطية التي عُرفت بها سابقا، جدلا متصاعدا وسط سجال إعلامي أعاد إلى الأذهان الأجواء التي سادت المشهد السياسي في أعقاب اغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي في العام 2013.

ولم تكن حركة النهضة الإسلامية تتوقع عودة السجال حول علاقتها بالإرهاب في هذا الوقت بالذات الذي تقول فيه إنها دخلت في منعطف تغيير جذري سيُبعدها عن الحاضنة الدينية بعد أن قررت فصل نشاطها السياسي عن الدعوي، والنأي بالدين عن المعارك السياسية.

غير أن حسابات حركة النهضة الإسلامية سرعان ما تهاوت، بعد أن كشفت النائبة البرلمانية عن حركة نداء تونس هالة عمران، النقاب عن أن حركة النهضة مازالت تُمارس ازدواجية الخطاب، ولم تحسم أمرها في علاقتها بالإرهاب، وذلك من خلال تكريمها في المؤتمر العاشر لأحد أعضائها الذي أدين في العام 1987 بالإرهاب.

وتساءلت النائبة هالة عمران تحت قبة البرلمان عن الرسالة التي أرادت حركة النهضة توجيهها من خلال “تقديم إرهابي الأمس بأنه شهيد اليوم”، وذلك في إشارة إلى إقدام حركة النهضة خلال مؤتمرها العاشر على تكريم محرز بودقة كأحد شهداء “سنوات الجمر”، وهو الذي نُفّذ فيه حكم الإعدام في 8 أكتوبر 1987 بعد إدانته بالضلوع في التفجيرات الإرهابية التي هزت مدينتي سوسة والمنستير صيف 1987، والتي نُسبت إلى منتمين لحركة “الاتجاه الإسلامي”، أي حركة النهضة حاليا.

واكتفت النائبة البرلمانية بمطالبة حركة النهضة بتوضيح موقفها من هذه المسألة، ومع ذلك، لم يستستغ قادة هذه الحركة الإسلامية ذلك، فجاءت ردودهم عنيفة حينا ومرتبكة حينا آخر، ما أثار ضجيجا تحت قبة البرلمان سرعان ما انتقل إلى المشهد السياسي، حيث تتالت ردود فعل القوى السياسية والحقوقية التي تُدين وتستنكر ما أقدمت عليه حركة النهضة في مؤتمرها العاشر، وسط اتهامات مباشرة لها بـ”تمجيد وتخليد أشخاص قاموا بأعمال عنف ذهب نتيجتها ضحايا وأبرياء”.

الجيلاني الهمامي: ليس مستغربا أن تندد النهضة بالإرهاب، وفي الوقت نفسه تكرم إرهابيا

وتردد صدى تلك الاتهامات إلى وسائل الإعلام التي تحولت من الاهتمام بنتائج المؤتمر العاشر لحركة النهضة إلى التركيز على هذا الموضوع الجديد الذي تحول إلى قضية رأي عام، لم يتمكن قادة النهضة من تفكيك عناصرها، أو توظيفها لصالح حركتهم، رغم دفاعهم المستميت عن نظافة السجل التاريخي لحركتهم من أي نشاط إرهابي.

وتعود هذه القضية إلى العام 1987، أي قبل وصول الرئيس الأسبق بن علي إلى الحكم، عندما عرضت السلطات التونسية آنذاك اعترافات عضو حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة حاليا) محرز بودقة، أكد فيها أنه هو الذي صنع القنابل الأربع التي تم تفجيرها في فنادق بمدينتي سوسة والمنستير في 2 أغسطس من العام 1987، والتي أسفرت عن مقتل 13 سائحا أجنبيا من إيطاليا وبريطانيا وألمانيا.

وتمت إدانة محرز بودقة في هذه الجريمة الإرهابية، حيث صدر ضده حكم بالإعدام شنقا تم تنفيذه ليلة 21 أكتوبر 1987، أي قبل أقل من شهر من وصول الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى الحكم في 7 نوفمبر من العام 1987.

ورغم ذلك، نفى قادة حركة النهضة الإسلامية تلك التهم، واتهموا في المقابل الرئيس الأسبق بن علي بأنه وراء تلك التفجيرات، كما دفعوا ببراءة محرز بودقة، وسط تبريرات ارتكزت على القول إن اعترافاته تم انتزاعها تحت التعذيب.

ووصف البرلماني التونسي الجيلاني الهمامي التبريرات التي قدمها قادة حركة النهضة في دفاعهم عن محرز بودقة وتكريمه خلال المؤتمر العاشر لحركتهم، بأنها “واهية ومهزوزة وتفتقد إلى قوة الإقناع”.

وقال لـ”العرب”إن تلك التبريرات ليست مستغربة ولا مفاجئة، وإنما كانت متوقعة، وتعكس “مدى قدرة حركة النهضة الإسلامية على التلون ضمن إطار الخطاب المزدوج الذي برعت في استخدامه وتوظيفه على مر المراحل الماضية”.

واعتبر أن هذه الحركة الإسلامية “قادرة على فعل أي شيء، ثم تنقلب عليه بسهولة، حيث نجدها في هذه المسألة “تُندد بالإرهاب، ولكنها في الوقت نفسه تُكرم إرهابيا وتصفه بالشهيد”.

ورأى الجيلاني الهمامي في تصريحه لـ”العرب” أن كل الدلائل والمعطيات “تؤكد أن موقف حركة النهضة الإسلامية المندد بالإرهاب غير مبدئي، وأن حقيقة علاقاتها الفكرية والسياسية بهذا الموضوع مازالت لغزا يصعب تفكيكه الآن”.

وفيما يُرجح أن يتواصل التفاعل حول هذه المسألة، يذهب مراقبون إلى القول إن ازدواجية الخطاب والممارسة، أدخلت حركة النهضة في ورطة ذات أبعاد أمنية وسياسية في تعاملها مع قضية الإرهاب، لم تكن تتوقع توقيتها، ولم تتهيأ لها ولانعكاساتها على صورتها الجديدة التي سعت إلى نحتها بشعارات براقة تخللت مؤتمرها العاشر الاستعراضي.

4